ابن قتيبة الدينوري
88
الإمامة والسياسة ( بيروت )
ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض ، فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان ، فقال لطلحة : هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال : نعم . قال : فما ردك على ما كنت عليه ؟ وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان ، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ، وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله ، إذ كنتما أسن منه ، فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابته وسابقته ، فبايعتماه ، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الّذي عرض عليكما ؟ قال طلحة : دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس ، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل ، ولو فعل 96 أبى ذلك المهاجرون والأنصار ، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل ، فبايعناه كارهين . قال : فما بدا لكما في عثمان ؟ قالا : ذكرنا ما كان من طعننا عليه ، وخذلاننا إياه ، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه . قال : ما تأمرانني به ؟ قالا : بايعنا على قتال علي ، ونقض بيعته ، قال : أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه ، ما نصنع ؟ قالا : لا تبايعه . قال : ما أنصفتما ، أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما ، وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟ أما إننا قد بايعنا عليا ، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا . قال : ثم تفرق الناس ، فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف ، وفرقة مع طلحة والزبير [ ( 1 ) ] . ثم جاء جارية بن قدامة ، فقال : يا أم المؤمنين ، لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون [ ( 2 ) ] ، إنه كانت لك من اللَّه تعالى حرمة وستر فهتكت سترك ، وأبحت حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك ، فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي اللَّه . قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل عليّ على البصرة قال : وذكروا أنه لما اختلف القوم اصطلحوا [ ( 3 ) ] على أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة ومسجدها وبيت المال ، وأن ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة ،
--> [ ( 1 ) ] في الطبري 5 / 175 بقي أصحاب عثمان يتدافعون حتى تحاجزوا ، ومال بعضهم إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة . [ ( 2 ) ] زيد في الطبري : عرضة للسلاح . [ ( 3 ) ] نص كتاب الصلح في الطبري 5 / 177 .