ابن قتيبة الدينوري

74

الإمامة والسياسة ( بيروت )

خروج علي من المدينة قال : وذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر ، ينتظر جواب معاوية ، وقد كان كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه ويعده أولا ، ثم كتابا يخوفه ويتواعده فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر ، ثم أتاه جوابه على غير ما يحب ، فلما أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين والأنصار من أهل السوابق مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ومعهم بشر كثير من أخلاط الناس ، واستخلف على المدينة قثم بن عباس ، 81 وكان له فضل وعقل ، وأمره أن يشخص إليه من أحب الشخوص ، ولا يحمل أحدا على ما يكره ، فخف الناس إلى علي بعده ، ومضى معه من ولده الحسن والحسين ومحمد ، فلما كان في بعض الطريق ، أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب ، وفيه : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم : أما بعد يا أخي ، كلأك اللَّه ، واللَّه جائرك من كل سوء ، وعاصمك من كل مكروه على كل حال ، وإني خرجت معتمرا ، فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما ، وهم متوجهون إلى البصرة ، قد أظهروا الخلاف ، ونكثوا البيعة ، وركبوا عليك قتل عثمان ، وتبعهم على ذلك كثير من الناس ، من طغاتهم وأوباشهم ، ثم مر عبد اللَّه بن أبي سرح ، في نحو من أربعين راكبا ، من أبناء الطلقاء ، من بني أمية ، فقلت لهم وعرفت المنكر في وجوههم : أبمعاوية تلحقون ؟ عداوة واللَّه إنها منكم ظاهرة غير مستنكرة ، تريدون بها إطفاء نور اللَّه ، وتغيير أمر اللَّه . فأسمعني القوم وأسمعتهم ثم قدمت مكة ، فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة واليمامة ، فأصاب ما شاء من أموالهما ، ثم انكفأ راجعا إلى الشام ، فأف لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك ، وما الضحاك إلا فقع بقرقره [ ( 1 ) ] فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك ، فاكتب إليّ يا بن أمي برأيك وأمرك ، فإن كنت الموت تريد ، تحملت إليك ببني أخيك ، وولد أبيك ، فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت ، فو اللَّه ما أحب أن أبقى بعدك ، فو اللَّه الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنيء ، ولا مريء ، ولا نجيع ، والسلام . فكتب إليه علي كرم اللَّه وجهه : أما بعد يا أخي ، فكلأك اللَّه كلاءة من

--> [ ( 1 ) ] الفقع : نبات طري أبيض . والقرقرة : الأرض الواطئة .