ابن قتيبة الدينوري
69
الإمامة والسياسة ( بيروت )
ولا نصرنا عليه ، ولا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض ، وإنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه ومن أمره . فقال له الحسن : دع عنك هذا ، واللَّه إني لا أظن ، بل لا أشك أن ما بالمدينة عاتق [ ( 1 ) ] ولا عذراء ولا صبي إلا وعليه كفل من دمه . فقال : يا بني إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة وغيرهم ، وقد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه وتموتا دونه ، فنهاكما عن القتال ، ونهى أهل الدار أجمعين . وأيم اللَّه لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه ، أو أموت بين يديه . قال الحسن : دع عنك هذا ، حتى يحكم اللَّه بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون . قال : ثم دخل المغيرة بن شعبة ، فقال له علي : هل لك يا مغيرة في اللَّه ؟ قال : فأين هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : تأخذ سيفك ، فتدخل معنا في هذا الأمر ، 76 فتدرك من سبقك ، وتسبق من معك ، فإنّي أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها ، وتقطف الرؤوس بها ، فقال المغيرة : إني واللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا ، ولا قتله صوابا ، وإنها لظلمة تتلوها ظلمات ، فأريد يا أمير المؤمنين - إن أذنت لي - أن أضع سيفي وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها ، فنسري مبصرين ، نقفو آثار المهتدين ، ونتقي سبيل الجائرين . قال علي : قد أذنت لك ، فكن من أمرك على ما بدا لك . فقام عمار فقال : معاذ اللَّه يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا . يغلبك من غلبته ، ويسبقك من سبقته ، انظر ما ترى وما تفعل ، فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل الأول . فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان ، إياك أن تكون كقاطع السلسلة ، فر من الضحل فوقع في الرمضاء . فقال علي لعمار : دعه ، فإنه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا ، أما واللَّه يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية ، تؤدي من قام فيها إلى الجنة ، ولما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك . فقال المغيرة : أنت واللَّه يا أمير المؤمنين أعلم مني ، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك ، فإن يكن ما فعلت صوابا فإياه أردت ، وإن يكن خطأ فمنه نجوت ، ولي ذنوب كثيرة ، لا قبل لي بها إلا الاستغفار منها [ ( 2 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] العاتق المرأة في منتصف العمر . [ ( 2 ) ] ذكر الطبري أن المغيرة خرج من المدينة حتى لحق مكة . وقد قال أبياتا منها : نصحت عليا في ابن هند مقالة * فردت ، فلا يسمع لها الدهر ثانيه ( مروج الذهب 2 / 414 ) .