ابن قتيبة الدينوري

61

الإمامة والسياسة ( بيروت )

أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة ، ولكن أتوها طائعين ، يبتغون بذلك مرضاة اللَّه ، وصلاح الأمة ، ومن يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب له ، فاتقوا اللَّه ، فإنّي لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد اللَّه ، وإني أنشدكم اللَّه والإسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي وإني عاقبت أقواما ، وما أبتغي بذلك إلا الخير ، وإني أتوب إلى اللَّه من كل عمل عملته ، وأستغفره ، أما واللَّه لقد علمتم أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال : 66 لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث : الردة عن الإسلام ، والزنا بعد الإحصان ، ولا واللَّه ما كان ذلك مني في جاهلية ولا إسلام ، أو رجل قتل رجلا فيقاد به [ ( 1 ) ] . فقال بعضهم : إنه ليقول مقالا . وقال آخر : لئن سمعتم منه ليصرفنكم ، فأبوا ، ورموه بالسهام ، واستقبلوه بما لا يستقبل به مثله ، ثم أشرف عليهم عبد اللَّه بن سلام ، وكان من أهل الدار ، فقال [ ( 2 ) ] : يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين والأنصار ، ممن أنعم اللَّه عليهم بالإسلام ، لا تقتلوا عثمان فو اللَّه إن حقه على كل مؤمن لحق الوالد على ولده ، وو اللّه إن على حوائط المدينة اثني عشر ألف ملك منذ أن أمدّ اللَّه بهم نبيكم صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وو اللَّه لئن قتلتموه ليسخطن عليكم ربكم ، ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في الأصلاب وما خلقوا في الأرحام وإني لأجده في التوراة التي أنزل اللَّه على موسى عليه السّلام ، وكتب بيده عز وجل إليكم بالعبراني وبالعربي : خليفتكم المظلوم الشهيد والّذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدى بعده طاعة إلا عن مخافة ، ولا توصل رحم إلا عن مكافأة ، وليقتلن به الرجال ومن في الأصلاب . فقالوا له : أيا يهودي ، أشبع بطنك ، وكسا ظهرك واللَّه لا ينتطح فيه شاتان ، ولا يتنافر فيه ديكان ، فقال : أما الشاتان والديكان فصدقتم ، ولكن التيسان الأكبران يتناطحان فيه فحصبوه ورموه حتى شجوه . فالتفت إلى عثمان ، فقال له : زعموا أنك أشبعت بطني وكسوت ظهري ، فاصبر

--> [ ( 1 ) ] أخرجه أحمد في مسندة 1 / 61 ، 63 ، 70 ، 382 ، 444 ، 465 و 6 / 58 ، 214 وابن سعد في الطبقات 6773 . [ ( 2 ) ] كلمة عبد اللَّه بن سلام في الطبري 5 / 130 وفتوح ابن الأعثم 2 / 223 قارن مع الأصل فثمة اختلاف .