ابن قتيبة الدينوري

59

الإمامة والسياسة ( بيروت )

الآخر إلا خرج من الدار سالما . فقالوا : إنا إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا منهم ، فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما رأى ذلك عليّ بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب محمد ، كلهم بدري ، ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير ، فقال علي : الغلام غلامك ، والبعير بعيرك ؟ فقال : نعم . 64 قال : فأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال : لا ، وحلف باللَّه ما كتبت ، ولا أمرت ، ولا علمت . فقال له : فالخاتم خاتمك ؟ قال : نعم . قال : فكيف يخرج غلامك ببعيرك وكتاب عليه خاتمك لا تعلم به ؟ فحلف باللَّه ما كتبت هذا الكتاب ، ولا وجهت ، ولا أمرت [ ( 1 ) ] . فشك القوم في أمر عثمان ، وعلموا أنه لا يحلف بباطل . فقال قوم منهم : لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان ، حتى نعرف كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول اللَّه ، وقطع أيديهم بغير حق ، فإن كان عثمان كتبه عزلناه ، وإن كان مروان كتبه نظرنا في أمره ، وما يكون في أمر مروان ، فانصرف القوم عنه ، ولزموا بيوتهم ، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان ، وخشي عليه القتل . فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله ، فقال : إنا أردنا مروان ، فأما قتل عثمان فلا ، ثم قال للحسن والحسين : اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان ، ولا تدعا أحدا يصل إليه ، وبعث الزبير ابنه على كره ، وبعث طلحة ابنه كذلك [ ( 2 ) ] ، وبعث عدة من أصحاب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم أبناءهم ، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان . ويسألوه أن يخرج مروان ، فأشرف عليهم عثمان من أعلى القصر ، فقال : يا معشر المسلمين ، أذكركم اللَّه ، ألستم تعلمون أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم طلب دار بني فلان ، ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم . فاشتريتها من خالص مالي . وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه . 65 أذكركم اللَّه يا معشر المسلمين . ألستم تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم . فاشتريتها من خالص مالي ، فجعلت رشائي كرشاء واحد من المسلمين ، وأنتم تمنعونني

--> [ ( 1 ) ] في تاريخ خليفة ص 169 : « . . . فقال عثمان : إنهما اثنتان : أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يميني باللَّه الّذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم » . وعلق ابن كثير على رواية الطبري قال : وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان ، فإنه لم يأمر به ، ولم يعلم أيضا ( وانظر فتوح ابن الأعثم 2 / 212 - 213 ) . [ ( 2 ) ] محمد بن طلحة .