ابن قتيبة الدينوري
49
الإمامة والسياسة ( بيروت )
قال : فهب لي صمتا حتى ترى رأيي . قال : فخرج ابن عباس ، فقال عثمان لمعاوية : ما ترى ، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر ، ولا بد لهم مما في أنفسهم ، فقال معاوية : الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم . قال : من ؟ قال : علي وطلحة والزبير ، قال عثمان : سبحان اللَّه ! أقتل أصحاب رسول اللَّه بلا حدث أحدثوه ، ولا ذنب ركبوه ؟ قال معاوية : فإن لم تقتلهم فإنّهم سيقتلونك . قال عثمان : لا أكون أول من خلف رسول اللَّه في أمته بإهراق الدماء . قال معاوية : فاختر مني إحدى ثلاث خصال ؟ قال عثمان : وما هي ؟ قال معاوية : أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام ، يكونون لك ردءا وبين يديك يدا ، قال عثمان : أرزقهم من أين ؟ قال : من بيت المال ، قال عثمان : ارزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي ؟ لا فعلت هذا [ ( 1 ) ] . قال : فثانية ، قال : وما هي ؟ قال : فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد ، واضرب عليهم البعوث والندب ، حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته ، قال عثمان : سبحان اللَّه ؟ شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول اللَّه ، وبقية الشورى أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم ؟ لا أفعل هذا . قال معاوية فثالثة ، قال : وما هي ؟ 53 قال : اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت ، قال عثمان . نعم هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي . قال : ثم خرج عثمان فصعد المنبر ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس ، إن نصيحتي كذبتني ، ونفسي منتني [ ( 2 ) ] ، وقد سمعت رسول اللَّه يقول : لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من اللَّه بعدا ، من أساء فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، وأنا أول من اتعظ ، واللَّه لئن ردني الحق عبدا لأنتسبن نسب العبيد ، ولأكونن كالمرقوق الّذي إن ملك صبر ، وإن أعتق شكر ، ثم نزل [ ( 3 ) ] ، فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة ، ودخل معه مروان بن الحكم ، فقال : يا
--> [ ( 1 ) ] العبارة في الطبري 5 / 101 قال : فأبعث إليك جندا منهم ( من أهل الشام ) يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك . قال : أنا أقتر على جيران رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم الأرزاق بجند مساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة . وذكر فيه خصلة ثانية وهي أن ينطلق عثمان معه إلى الشام فرفض عثمان أن يترك جوار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم . [ ( 2 ) ] في الطبري 5 / 111 : مننتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي . [ ( 3 ) ] قارن مع الطبري 5 / 111 وابن الأثير 3 / 164 .