ابن قتيبة الدينوري

40

الإمامة والسياسة ( بيروت )

تمسي ، فما كنت فاعلا فافعل ، فقال لابنه عبد اللَّه : ناولني الكتف ، فلو أراد اللَّه أن يمضي ما فيه أمضاه ، فمحاها بيده ، وكان فيها فريضة الجد . ثم دخل عليه كعب الأحبار ، فقال : يا أمير المؤمنين ، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ، قد كنت أنبأتك أنك شهيد [ ( 1 ) ] ، قال : ومن أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب ؟ 41 ثم جعل الناس يثنون عليه ، ويذكرون فضله . فقال : إن من غررتموه لمغرور ، إني واللَّه وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها [ ( 2 ) ] ، واللَّه لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع ، فقالوا : يا أمير المؤمنين لا بأس عليك ، فقال : إن يكن القتل بأسا ، فقد قتلني أبو لؤلؤة ، قالوا : فإن يكن ذلك فجزاك اللَّه عنا خيرا . فقال : لا أراكم تغبطونني بها ، فو الّذي نفس عمر بيده ما أدري علام أهجم ، ولوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي ، فيكون خيرها بشرها ، ويسلم لي ما كان قبلها من الخير . ودخل علي بن أبي طالب [ ( 3 ) ] فقال : يا علي ، أعن ملأ منكم ورضى كان هذا ؟ فقال علي : ما كان عن ملأ منا ولا رضى ، ولوددنا أن اللَّه زاد من أعمارنا في عمرك . قال : وكان رأسه في حجر ابنه عبد اللَّه ، فقال له : ضع خدي بالأرض ، فلم يفعل ، فلحظه وقال : ضع خدي بالأرض لا أم لك ، فوضع خده بالأرض ، فقال : الويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر اللَّه لعمر [ ( 4 ) ] ، ثم دعا عبد اللَّه بن عباس وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه ، فقال له : يا بن عباس ، إني لأظن أن لي ذنبا ، ولكن أحب أن تعلم لي أعن ملأ منهم ورضى كان هذا ؟ فخرج ابن عباس ، فجعل لا يرى ملأ من الناس إلا وهم يبكون ، كأنما فقدوا اليوم أنصارهم ، فرجع إليه فأخبره بما رأى . 42 قال : فمن قتلني ؟ قال : أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة . قال عبد اللَّه : فرأيت البشر في وجهه ، فقال : الحمد للَّه الّذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة . ثم قال : يا عبد اللَّه ، ألا لو أن لي ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع ، وما ذاك والحمد للَّه أن أكون رأيت إلا خيرا ، فقال

--> [ ( ) ] تمرات نبذت في ماء أي نفقت فيه ، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء . [ ( 1 ) ] وكان كعب الأحبار قد أخبره أنه ميت في ثلاث ليال وأنه يجد ذلك في التوراة ( ابن الأثير 3 / 50 ) . [ ( 2 ) ] زيد عند ابن سعد : لا أجر ولا وزر . [ ( 3 ) ] في ابن سعد : ابن عباس . [ ( 4 ) ] قالها ثلاثا ( عن ابن سعد ) وعنه أنها آخر كلام عمر بن الخطاب وبقي يقولها حتى فاضت نفسه .