ابن قتيبة الدينوري

38

الإمامة والسياسة ( بيروت )

بكم ، ويقاتل عدوكم ، فيأمركم ، فإن شئتم اجتهدت لكم رأيي ، وو اللَّه الّذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرا ، قال : فبكى وبكى الناس ، وقالوا : يا خليفة رسول اللَّه ، أنت خيرنا وأعلمنا ، فاختر لنا ، قال : سأجتهد لكم رأيي ، وأختار لكم خيركم إن شاء اللَّه . قال : فخرجوا من عنده ، ثم أرسل إلى عمر فقال : يا عمر ، أحبك محب ، وأبغضك مبغض ، وقديما يحب الشر ، ويبغض الخير . فقال عمر : لا حاجة لي بها ، فقال أبو بكر : لكن بها إليك حاجة ، واللَّه ما حبوتك بها ، ولكن حبوتها بك . ثم قال : خذ هذا الكتاب واخرج به إلى الناس ، وأخبرهم أنه عهدي ، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم . فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم ، فقالوا : سمعا وطاعة ، فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال : لا أدري ، ولكني أول من سمع وأطاع . قال : لكني واللَّه أدري ما فيه : أمّرته عام أول ، وأمّرك العام . 39 ولاية عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال : ولما توفي أبو بكر [ ( 1 ) ] وولي عمر وقعد في المسجد مقعد الخلافة ، أتاه رجل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أدنو منك فإن لي حاجة ؟ قال عمر : لا . قال الرجل : إذا أذهب فيغنيني اللَّه عنك ، فولى ذاهبا ، فاتبعه عمر ببصره ، ثم قام فأخذه بثوبه ، فقال له : ما حاجتك ؟ فقال الرجل : بغضك الناس ، وكرهك الناس ، قال عمر : ولم ويحك ؟ قال الرجل : للسانك وعصاك ، قال : فرفع عمر يديه ، فقال : اللَّهمّ حببهم إلي وحببني إليهم . قال الرجل : فما وضع يديه حتى ما على الأرض أحب إليّ منه . وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر ، واستبطئوا الخبر ، فقالوا : إنا لنخاف أن يكون خليفة اللَّه قد مات وولي بعده عمر ، فإن كان عمر هو الوالي فليس لنا بصاحب ، وإنا نرى خلعه . قال بعضهم : فابعثوا رجلا ترضون عقله ، قال : فانتخبوا لذلك رجلا ، فقدم على عمر ، وقد كان عمر استبطأ خبر أهل الشام ، فلما أتاه قال له : كيف الناس ؟ قال : سالمون صالحون ، وهم كارهون

--> [ ( 1 ) ] كانت وفاة أبي بكر مساء ليلة الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين سنة على ما ذكروه . ( ابن سعد 3 / 202 ) .