ابن قتيبة الدينوري
24
الإمامة والسياسة ( بيروت )
هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة ، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا ، فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري ، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي . فقام أبو بكر ، فحمد اللَّه تعالى وأثنى عليه وقال : إن اللَّه تعالى بعث محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم رسولا إلى خلقه ، وشهيدا على أمته ليعبدوا اللَّه ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى ، يزعمون أنها لهم شافعة ، وعليهم بالغة نافعة ، وإنما كانت حجارة منحوتة ، وخشبا منجورة ، فاقرءوا إن شئتم إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ أنبياء : 67 ] ، وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ، وقالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخص اللَّه تعالى المهاجرين الأولين رضي اللَّه عنهم بتصديقه ، والإيمان به ، والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم ، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم [ ( 1 ) ] ، 23 زار لهم ، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء [ ( 2 ) ] الناس بهم واجتماع قومهم عليهم ، فهم أول من عبد اللَّه في الأرض ، وأول من آمن باللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وهم أولياؤه وعشيرته ، وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام ، رضيكم اللَّه تعالى أنصارا لدينه ولرسوله ، وجعل إليكم مهاجرته فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء ، وأنتم الوزراء ، لا نفتات دونكم بمشورة ، ولا تنقضي [ ( 3 ) ] دونكم الأمور . فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي اللَّه عنه ، فقال : يا معشر الأنصار : املكوا عليكم أيديكم ، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ، ولن يجير مجير [ ( 4 ) ] على خلافكم ، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم ، أنتم أهل العز والثروة وأولو العدد والنجدة [ ( 5 ) ] ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، فلا تختلفوا ، فيفسد
--> [ ( 1 ) ] في الطبري : لهم مخالف . [ ( 2 ) ] في الطبري وابن الأثير : وشنف الناس لهم . وكلاهما بمعنى : البغض والتنكر والاحتقار . [ ( 3 ) ] في الطبري : ولا نقضي . وعند ابن الأثير : ولا تقضى . [ ( 4 ) ] في الطبري : ولن يجترئ مجترئ . [ ( 5 ) ] في الطبري : وأولو العدد والمنعة والتجربة ، ذوو البأس والنجدة .