ابن قتيبة الدينوري
22
الإمامة والسياسة ( بيروت )
الأنصاري رضي اللَّه عنهم إلى سعد بن عبادة ، فقالوا له : إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قد قبض . فقال سعد لابنه قيس [ ( 1 ) ] رضي اللَّه عنهما : إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي ، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم ، فكان سعد يتكلم ، ويحفظ ابنه رضي اللَّه عنهما قوله ، فيرفع صوته ، لكي يسمع قومه ، فكان مما قال رضي اللَّه عنه ، بعد أن حمد اللَّه تعالى وأثنى عليه : يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة [ ( 2 ) ] من العرب ، إن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لبث في قومه بضع عشرة سنة ، يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأوثان [ ( 3 ) ] ، فما آمن به من قومه إلا قليل [ ( 4 ) ] ، واللَّه ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ولا يعرفوا دينه ، ولا يدفعوا عن أنفسهم [ ( 5 ) ] ، حتى أراد اللَّه تعالى لكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم ، 21 والمنع له ولأصحابه والإعزاز [ له و ] لدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم ، وأثقله على عدوكم من غيركم ، حتى استقاموا لأمر اللَّه تعالى طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا حتى أثخن اللَّه تعالى لنبيه بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفاه اللَّه تعالى وهو راض عنكم [ وبكم ] قرير العين ، فشدوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنكم أحق الناس وأولاهم به . فأجابوه جميعا : أن قد وفقت في الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت توليتك هذا الأمر ، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا [ ( 6 ) ] . قال فأتى الخبر إلى أبي بكر رضي اللَّه عنه ، ففزع أشد الفزع ، وقام معه عمر رضي اللَّه عنهما ،
--> [ ( 1 ) ] زيد في الطبري : « أو بعض بني عمه » . [ ( 2 ) ] كذا بالأصل والطبري ، وفي الكامل لابن الأثير : لأحد من العرب . [ ( 3 ) ] في الطبري : وخلع الأنداد والأوثان . [ ( 4 ) ] في الطبري : إلا رجال قليل . [ ( 5 ) ] العبارة في الطبري : ولا يعزوا دينه ، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به . [ ( 6 ) ] وزيد في الطبري وابن الأثير : ( النص من الطبري ) : ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم ، فقالوا : فإن أبت مهاجرة قريش ، فقالوا : نحن المهاجرون وصحابة رسول اللَّه الأولون ، ونحن عشيرته وأولياؤه ، فعلام تنازعونا هذا الأمر بعده ، فقالت طائفة منهم : فإنا نقول إذا : منا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا الأمر أبدا ، فقال سعد بن عبادة حين سمعها : هذا أول الوهن .