السيد محمدحسين الطباطبائي

94

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

تعالى في الجملة فبيانه : أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويله الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل ، فهو وإن لم يكن مدلولا للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية والحفظ ، نظير قولك : « في الصيف ضيعت اللبن » لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل ، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرأة مع ذلك اللبن في الصيف لا ينطبق شيء منه على المورد ، وهو ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله . كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصّة من القصص القرآنية وإن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية إلّا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشئ منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة كما أن قول السيد لخادمه ، اسقني ينتشئ عن اقتضاء الطبيعة الإنسانية لكمالها ، فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء ، وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن ، وهو يقتضي الغذاء اللازم وهو يقتضي الري ، وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلا ، فتأويل قوله : اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده ، وبقائه ، ولو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخر يباين الأول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه ، وتكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته ، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكيّة مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك ، ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتى به من الفعل أو الترك .