السيد محمدحسين الطباطبائي
71
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
قوله تعالى : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن ألم ذلِكَ الْكِتابُ منها استخرجت البقرة و ألم . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، منها استخرجت آل عمران . وعن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله : هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ، قال : أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب ، انتهى . ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ الحروف بمعنى أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات والجمل ، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور . وفيه : مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه ، وقد ذمّ اللّه سبحانه اتباع المتشابه وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ « 1 » وغيره من الآيات . وثالثها : أن المتشابه هو ما يسمى مجملا والمحكم هو المبين . وفيه : أن ما بيّن من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين . بيان ذلك : أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا تنفصل الجهة المرادة عن غيرها ، ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في طرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه ، فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم دون نفس المحكم ، وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على مثله
--> ( 1 ) الأعراف - 157 .