السيد محمدحسين الطباطبائي

60

الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم

اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان قد كف عن الإنذار مدة ثم أمر به ثانيا بقوله تعالى : فَاصْدَعْ . وأما سورة المدثر وما تشتمل عليه من قوله قُمْ فَأَنْذِرْ ، فإن كانت السورة نازلة بتمامها دفعة واحدة كان حال هذه الآية قم فأنذر ، حال قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 1 » الآية ، لاشتمال هذه السورة أيضا على قوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى آخر الآيات ، وهي قريبة المضمون من قوله في سورة الحجر وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إلخ ، وإن كانت السورة نازلة نجوما فظاهر السياق أن صدرها قد نزل في بدء الرسالة . وثالثا : أن قوله : إن الروايات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور جملة واحدة قبل البعثة ثم نزول الآيات نجوما على رسول اللّه أخبار مجعولة خرافية لمخالفتها الكتاب وعدم استقامة مضمونها ، وإن المراد باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة ، وبالبيت المعمور كرة الأرض خطأ وفرية . أما أولا : فلأنه لا شيء من ظاهر الكتاب يخالف هذه الأخبار على ما عرفت . وأما ثانيا : فلأن الأخبار خالية عن كون النزول الجملي قبل البعثة بل الكلمة مما أضافها هو إلى مضمونها من غير تثبت . وأما ثالثا : فلأن قوله : إن اللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة تفسير شنيع - وإنه أضحوكة - وليت شعري ما هو الوجه المصحح - على قوله - لتسمية عالم الطبيعة في كلامه تعالى لوحا محفوظا ؟ أذلك لكون هذا العالم محفوظا عن التغير والتحول ؟ فهو عالم الحركات ، سيال الذات ، متغير الصفات ! أو لكونه محفوظا عن الفساد تكوينا أو تشريعا ؟ فالواقع خلافه ! أو لكونه محفوظا عن اطلاع غير أهله عليه ؟ كما يدل عليه قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ . لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ « 2 » ، فإدراك المدركين فيه على السواء ! .

--> ( 1 ) المدثر - 11 . ( 2 ) الواقعة - 77 إلى 79 .