السيد محمدحسين الطباطبائي
33
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
وهذا يحتمل وجهين : أحدهما أن يتوسل تعالى إليه من غير سبب مادي وعلّة طبيعيّة بل بمجرّد الإرادة وحدها ، وثانيهما أن يكون هناك سبب طبيعي مستور عن علمنا يحيط به اللّه سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه إلّا أن الجملة التالية من الآية المعللة لما قبلها أعني قوله تعالى قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ، تدلّ على ثاني الوجهين فإنّها تدلّ على أن كلّ شيء من المسببات أعم مما تقتضيه الأسباب العادية أو لا تقتضيه فإنّ له قدرا قدره اللّه سبحانه عليه ، وارتباطات مع غيره من الموجودات واتصالات وجودية مع ما سواه ، للّه سبحانه أن يتوسّل منها إليه وإن كانت الأسباب العادية مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلّا أنّ هذه الاتصالات والارتباطات ليست مملوكة للأشياء أنفسها حتّى تطيع في حال وتعصى في أخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له . فالآية تدلّ على أنّه تعالى جعل بين الأشياء جميعها ارتباطات واتصالات له أن يبلغ إلى كلّ ما يريد من أي وجه شاء وليس هذا نفيا للعليّة والسببيّة بين الأشياء بل إثبات أنّها بيد اللّه سبحانه يحولها كيف شاء وأراد ، ففي الوجود عليّة وارتباط حقيقي بين كل موجود وما تقدّمه من الموجودات المنتظمة غير أنّها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة ( ولذلك نجد الفرضيات العلمية الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجوديّة ) بل على ما يعلمه اللّه تعالى وينظمه . وهذه الحقيقة هي التي تدلّ عليها آيات القدر كقوله تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » ، وقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ « 2 » ، وقوله تعالى : وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً « 3 » ، وقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى « 4 » ، وكذا قوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها « 5 » ، وقوله تعالى : ما أَصابَ مِنْ
--> ( 1 ) الحجر - 21 . ( 2 ) القمر - 49 . ( 3 ) الفرقان - 2 . ( 4 ) الأعلى - 3 . ( 5 ) الحديد - 22 .