عبد الملك الثعالبي النيسابوري

56

الإعجاز والإيجاز

ونظر إلى شيخ خضيب « 1 » فقال له : إن كنت صبغت الشيب ، فكيف تصبغ آثار الكبر ؟ ! ونظر إلى امرأة مصلوبة على شجرة فقال : ليت كلّ الشجر أثمر مثل هذه « 2 » ! ونظر إلى رجل حسن الوجه قبيح الفعل فقال : أما البيت فحسن ، وأما الساكن فرديء . وكان يقول : لا تستخفّنّ « الرأي الجليل » يأتيك به « الرجل الحقير » ، فإن الدّرّة الفائقة لا تهان لهوان غائصها ! ، وكان يقول : يا أسراء الموت حلّوا أسركم بالحكمة . ومن كلامه في تدبير الحرب : احتلّ الشمس والريح ، فإن لم يكونا لك فعليك . احذر انتقاض التّبعيّة ، وكيد المستأمنة « 3 » . حبّب إلى عدوّك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا . لا تغفل « الخندق » إن كنت مقيما ، ولا الحسك إذا كنت ظاعنا « 4 » .

--> ( 1 ) خضب شعره وصبغه بالحنّاء ونحوه . ( 2 ) هذا ، ولقد كرم الله بني آدم ، ومن إكرام الميت دفنه ، رجلا كان أو امرأة . ( 3 ) التبعية : أتباعك ، فقد ينقلبون عليك ، والمستأمنة : من طلبوا منك الأمان فأعطيتهم إياه ، فربما انقلبوا عليك . ( 4 ) ظاعنا : مسافرا . والحسك نبات صحراوى له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الإبل ، ومنه حسك السعدان . والمراد : خذ لكل أمر عدته ، والبس لكل حال لبوسها ، وكن على استعداد في إقامتك وظعنك ، وأمن نفسك في إقامتك بالخندق ، وفي سفرك بالحسك ، والحسك من الحديد ما يعمل على مثال الحسك ، وكان يلقى حول العسكر ويبث في مذاهب الخيل ، فينشب في حوافرها ، وهو أشبه بالأسلاك الشائكة في عصرنا .