عبد الملك الثعالبي النيسابوري
5
الإعجاز والإيجاز
تقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جاء في « قانون البلاغة » لأبى طاهر البغدادي : سألت - أطال اللّه مدتك ، وأدام نعمتك ، وحرس دولتك - عن « البلاغة » ! و « البلاغة » ليست ألفاظا فقط ، ولا معاني فحسب ، بل هي ألفاظ يعبّر بها عن معان ! ولكن ليس هذا كما اتفق ، ولا كيفما وقع ، لأن ذلك لو جرى « هذا المجرى » لكان أكثر الناس بليغا ، إذ كان أكثرهم يؤدى عن المعاني التي يولدها بألفاظ تدل عليها ! لكنهم يخرجون عن طريق البلاغة ، ومنهاج الكتابة من وجهين : أحدهما : أن تكون الألفاظ مستكرهة ، مستوخمة ، غير مرصوفة ، ولا منتظمة ! والثاني : أن تكون كثيرة يغنى بعضها عن بعض ، ويمكن أن يعبّر عن المعنى الدال بأقلّ منها » . وإذا كانت هناك مواقف يحتاج فيها إلى إشباع المعنى ، وتوكيده ، وتكريره ، حيث يحتاج البليغ إلى الإطالة والإسهاب ، فإن هناك مواقف يحتاج فيها إلى الاختصار والإيجاز ! هذا ، وأكثر ما عليه الناس في « البلاغة » أنها : « الاختصار ، وتقريب المعنى بالألفاظ القصار » وقد سئل بعضهم عن البلاغة فقال : « هي لمحة دالّة ! » . وهذا مذهب العرب ، وعادتهم في العبارة ، فإنهم يشيرون إلى المعاني بأوحى « 1 » إشارة ! ويستحبون أن تكون الألفاظ أقلّ من المعاني في المقدار والكثرة .
--> ( 1 ) وهي التي تكون أكثر إيحاء بالمعنى .