عبد الملك الثعالبي النيسابوري
41
الإعجاز والإيجاز
وأوصيكم بذكر الموت . وإقلال الغفلة عنه ، وكيف تغفلون عمن ليس يغفل عنكم ؟ ! وطمعتم فيمن ليس يمهلكم ، فكفى بالموتى واعظا ! عاينتموهم حملوا على قبورهم غير راكبين ، وأنزلوا فيها غير نازلين « 4 » ! كأنهم لم يكونوا عمّارا ، وكأنّ الآخرة لم تزل لهم دارا . أوحشوا ما كانوا يوطنون « 5 » وأوطنوا ما كانوا يوحشون واشتغلوا بما فارقوا ، وأضاعوا ما إليه « 6 » انتقلوا . . لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ، ولا في حسن يستطيعون ازديادا . « 7 » أنسوا بالدنيا فغرّتهم ، ووثقوا بها فصرعتهم . فسابقوا - رحمكم اللّه تعالى - إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ، والتي رغّبتم فيها ودعيتم إليها . واستتمّوا نعم اللّه عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته ، فإن غدا من اليوم قريب ! ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر ، وأسرع الشّهور في السنين ، وأسرع السنين في العمر ! 2 - ومن خطبه رضى اللّه عنه فمن الأيام ما يكون ثابتا مستقرّا في القلوب ومنه ما يكون عوارى بين القلوب والصدور « 8 » إلى أجل معلوم . فإذا كان للمرء براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حدّ البراءة .
--> ( 4 ) يقال : ركب ونزل حقيقة لمن فعل بإرادته ، والميت فقد تلك الإرادة بموته . ( 5 ) أوطن المكان اتخذه وطنا ، وأوحشه هجره حتى لا أنيس منه به فأصبح موحشا بعد هجره ! ( 6 ) اشتغلوا بالدنيا التي فارقوها ، وأضاعوا العاقبة التي انتقلوا إليها ! ( 7 ) فالدنيا هي دار أعمال ، والأخرى دار شقوة أو رشاد . ( 8 ) أي تعاوره القلوب والصدور ، فلا يكون ثابتا مستقرا ، فهو متبادل بينهما .