عبد الملك الثعالبي النيسابوري
18
الإعجاز والإيجاز
ويحكى عن « أردشير الملك « 6 » » ما ترجمته : « القتل أنفى للقتل » ، ففي كلام اللّه تعالى كل ما في كلام أردشير الملك ، وفيه زيادة معان حسنة : فمنها : إبانة العدل بذكر القصاص ، والإفصاح عن الغرض المطلوب فيه من الحياة ، والحث بالرغبة والرهبة على تنفيذ حكم اللّه به ، والجمع بين ذكر القصاص والحياة ، والبعد عن التكرير الذي يشق على النفس ، فإن قوله : « القتل أنفى للقتل » تكرير ، غيره أبلغ منه ! . ( 12 ) ومن ذلك قوله - عز ذكره - في إخوة يوسف : فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا [ يوسف : 80 ] ، وهذه صفة اعتزالهم لجميع الناس ، وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن « 7 » ، وأخذهم في تزوير ما يلقون به أباهم عند عودهم إليه ، وما يوردون عليه من ذكر الحادث ، فتضمنت تلك الكلمات القصيرة معاني القصة الطويلة . ( 13 ) ومن ذلك قوله - جلّت عظمته : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [ الأنفال : 58 ] ، فلو أراد أحد الأعيان الأعلام في البلاغة أن يعبر عنه ، لم يستطع أن يأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي يتضمنها حتى يبسط مجموعها ، ويصل مقطوعها ، ويظهر مستورها ، فيقول : إن كان بينكم وبين قوم « هدنة » ، وعهد ، فخفت منهم خيانة ، أو نقضا ، فأعلمهم أنك نقضت ما شرطت لهم ، وآذنهم « 8 » بالحرب ، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء .
--> ( 6 ) أحد ملوك الدولة الفارسية ، وهو والد سابور ، وكان عادلا منصفا . ( 7 ) يقال : قلبت الأمر ظهرا لبطن : أمعنت تدبيره . ( 8 ) آذنهم : أعلمهم .