سعيد عطية علي مطاوع
90
الاعجاز القصصي في القرآن
والأنبياء . . . ويصحّح ما حرّف من الكتب السماوية ، ذلك لأن التحدي للقرآن من تمزيق حجاب الزمن الماضي ، وصل إلى أدقّ أسرار الرسالات السماوية الماضية فصحّحها لهم ، وبيّن ما حرّفوه منها وما أخفوه ، وتحدّاهم أن يكذّبوا ما جاء في القرآن فلم يستطيعوا ، ومن ذلك قوله تعالي : " ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ " ( سورة مريم : 34 ) . ثم بعد ذلك مزّق القرآن حجاب المستقبل : انظر إلى قوله سبحانه وتعالى " سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ " ( سورة القمر : آية 45 ) تبشّر بانتصار المسلمين في بدر ، وقد نزلت هذه الآية في مكة والمسلمون قلّة . وكذلك قوله سبحانه وتعالي : " ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ " ( سورة الروم : آيات 1 - 5 ) . ثم يمضي القرآن ليمعن في التحدي : " وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ " ( سورة الروم : 6 ) . لقد قصّ القرآن أنه بعد بضع سنين ستحدث معركة بين الفرس والروم وينتصر فيها الروم . ثم مزّق اللّه حجاب المكان لمحمد صلي اللّه عليه وسلم ، وجاء في أدقّ الأمور وهو حديث النفس : " وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ " . . فالقرآن هنا لا يقول لهم لقد هتكت حاجز الماضي ، وأخبرتكم بأنباء الأولين ولا يقول لهم سأهتك حاجز المكان ، وأخبركم بما يدور في بقعة قريبة لا ترونها ، بل يقول : سأهتك حاجز النفس ، وأخبركم بما في أنفسكم ، أي بما في داخل صدوركم بما لم تهمس به شفاهكم ، وكان يكفي لكي يكذّب الكافرون محمدا أن يقولوا لم تحدثنا أنفسنا بهذا ، إذا فالقرآن في هتكه لحجاب المكان دخل إلى داخل النفس البشرية ، وإلى داخل نفوس غير المؤمنين الذين يهمهم هدم الإسلام ، قال تعالي : " أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ