سعيد عطية علي مطاوع

67

الاعجاز القصصي في القرآن

ج - ولهذا فإن الآيتين الكريمتين : خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ " ( سورة الأنبياء : من الآية 37 ) " وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا " سورة الإسراء : من الآية 11 تكمّلان الصورة التي خلق عليها آدم ، وإن إغراء إبليس له قد عجّل بظهور الإنسان في آدم . وهكذا نري أن قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لها معني ثان غير ظهور الإنسان الأول علي هذا الكوكب ، وهو بيان ارتقاء الإنسان من بدائية الشهوة الغريزية إلى الشعور بأن له نفسا حرة قادرة علي الشك والعصيان . ويقول محمد إقبال : " وليس يعني الهبوط أي فساد أخلاقي ، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط ، إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس . . هو نوع من اليقظة من حلم الطبيعة ، أحدثتها خفقة من الشعور بأن للإنسان صلة عليّة بوجوده ، ويقول : إن القرآن لا يعتبر الأرض ساحة للعذاب ، سجنت فيه إنسانية شريرة العنصر ، بسبب ارتكابها خطيئة أصلية فالمعصية الأولي للإنسان كانت أول فعل له ، تتمثل فيه حرية الاختيار . . ولهذا تاب اللّه علي آدم وغفر له " 94 . د - تؤكد قصة آدم ما للنفس الإنسانية من حرية وخلود ، وتضع نظرية محددة معينة في مصير الإنسان بوصفه وحدة من وحدات الوجود ، هذه النظرية ، في شخصية الإنسان وفرديته يستحيل معها أن تزر وازرة وزر أخري ، بل يقتضي أن كل امرئ بما كسب رهين ، ولذلك رفض القرآن الكريم فكرة الفداء . ه - وهذه الجوانب الرمزية في القصة لا تتنافي مع ما ذكرناه من أن القرآن الكريم لا يقصّ قصة إلا ليواجه بها حالة ، ولا يقرر حقيقة إلا ليغيّر بها باطلا . ومثال علي ذلك ما ورد في ختام قصة آدم وتحذيره وذريته من إبليس وكيده : " يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ " ( الأعراف : آية 26 - 27 ) .