سعيد عطية علي مطاوع
54
الاعجاز القصصي في القرآن
الصدق في القصص التمثيلي يلاحظ من وجهتين : موضوعية وفنية : أما الوجهة الموضوعية فهي تمثيله بأشخاص غير معينين لم يكن لهم وجود بأسمائهم في واقع التاريخ ، ولكن وجود أمثالهم في واقع الحياة ممكن ، وذلك من حيث مواقفهم وتصرفاتهم التي تمليها نوازع نفسية راسبة في شعور الإنسان لأنها من طباعه وفي غرائزه . . وأما الوجهة الفنية ، ففي تصويره للشخصية من خلال الحوار تصويرا حيا ، وفي دقة نقله لمشاعرها وتعبيره عن مواجيدها وأحاسيسها ، وهذه وظيفة الفن 68 . ومن أبدع القصص التمثيلي في القرآن قصة صاحب الجنتين لما فيها من تشخيص حي للمشاهد يقصّر عنه التعبير في أي أسلوب آخر غير الأسلوب القصصي ، والقصة تضرب مثلا للقيم الزائلة والقيم الباقية ، وترسم أنموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة ، والنفس المعتزة باللّه . وكلاهما أنموذج إنساني لطائفة من الناس : صاحب الجنتين أنموذج للرجل الثري ، تذهله الثروة ، وتبطره النعمة ، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر علي أقدار الناس والحياة . ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفني ، فلن تخذله القوة ولا الجاه . وصاحبه أنموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه ، الذاكر لربه يري النعمة دليلا علي المنعم ، موحية لحمده وذكره ، لا لجحوده وكفره 69 : ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى