سعيد عطية علي مطاوع

45

الاعجاز القصصي في القرآن

الاعتماد عليه ، وذلك لخلو هذه الأخبار من التفاصيل ، ومما يحددها في الزمان والمكان ، وعدم اتفاق بعضها مع ما جاء في كتب العهد القديم والجديد ، وكتب التاريخ القديمة . الحقيقة أن هذا لا ينافي صدق القرآن أو صحة أخباره ، حيث إن التفاصيل التاريخية ليست من المقاصد التعليمية في قصص القرآن ، لأن قرب الحادثة أو بعدها في الزمان والمكان ، لا يؤثر فيما تحمل من عبر ، ما دامت تلك الحوادث نابعة من غرائز الإنسان ، مرتبطة بما في كيانه من نوازع الاستقامة والانحراف ، قائمة على طريق الإنسانية التي لا تتغير في جوهرها بتغير الأجيال فالقرآن الكريم لا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها ، ولا لأجل التفكه بها ، أو الإحاطة بتفاصيلها ، وإنما لأجل العبرة والموعظة والهداية : ( لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) ( سورة يوسف من آية 111 ) ، ولبيان سنن الاجتماع : ( سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ ) ( سورة غافر من آية 85 ) . ومن المؤرخين النابهين من لا يذكر من وقائع التاريخ إلا ما يستنبط منه الأمور الكلية ، والأصول العامة ، ولا يحفل بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة ، ولما قراءتها من الإسراف في الزمن ، فلا يكون عمله عرضة للتكذيب والطعن كما هو الشأن في أكثر المصنفات التي تستقصى الوقائع الجزئية 50 . أما إذا ورد في كتب التاريخ القديمة ما يخالف بعض هذا القصص القرآني ، فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه اللّه إلى نبيه ، ونقل إلينا بالتواتر الصحيح ، هو الحق . وما خالفه هو الباطل ، وناقله مخطئ أو كاذب فلا نعده شبهة على القرآن ، لأن حال التاريخ القديم لم يكن من الدقة والتحري والضبط بحيث يكون حجة تعتمد في هذا المجال ، إذ لا رواية يوثق بها للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها ، ولا تواتر يعتدّ به 51 . أما عدم اتفاق بعض القصص القرآني مع ما جاء في كتب العهد القديم فإن القرآن - بوصفه سماويا سلم من التبديل والتحريف بشهادة الباحثين المخلصين