سعيد عطية علي مطاوع

265

الاعجاز القصصي في القرآن

إليه من الحكم علي امرأة العزيز بالضلال لم يصدر جزافا بل عن علم وتحقق ، كما يشعر التعبير بالضلال المبين بأنهن يترفعن عن مثل هذا ويبرأن منه . وفي قوله " فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ " لو أنه قال " فلما سمعت مكرهن " بحذف حرف الجر لكان الكلام صحيحا علي الأصل في الاستعمال ، لأن " سمع " من الأفعال التي تتعدي بنفسها دون واسطة حرف ، فلا يكون التعدي بالباء إذا إلا لسرّ لعلّه يتصل بمعنى هذه الباء الذي تستمده من دلالة السياق فإنها تفيد معني الملابسة ، والمعني : فلمّا سمعت ما يتصل ويلابس مكرهنّ ، أي لمّا سمعت الأقاويل التي صدرت عن مكر ، والحقيقة أن هذه الأقاويل كان لها أصل من الواقع ، فلما ذا اعتبر القرآن صدورها عن مكر ؟ ذلك لأن النسوة تمادين في الظنّ والتخيّل واستنتاج أشياء كان يمكن أن تترتب على المراودة وفي قولهن " امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها . . . " يمكن أن يضمن عن طريق التعريض ما يدور في أنفسهنّ وسمّاه القرآن مكرا ، ولهنّ العذر في تخيّل ما تخيّلنه ، لأن ما يتصوّرنه طبعي ومتوقع لو أن الأمر يتصل بغير يوسف ونحوه ممن اصطفاهم اللّه سبحانه وطهرهم . وهكذا نمضي مع المشهد إلي نهايته لنجد كلمات متخيرة في مواقعها تكمل ظلال المشهد وتوحي بملابساته ، وكلمات القرآن من الدقّة وحسن التخيّر بحيث تجدها ثرية الدلالة علي نحو لا نجده في كلام آخر ، ولك أن تتخير ما نراه أنموذجا رفيعا من كلام البشر ، ثم تتبع إيحاء كلماته فنجده يتضاءل بجانب ما نجده في القرآن . علي أن في القرآن الكريم ميزة لا تتحقق في كلام بشر هي تعدد مصادر الإيحاء في الكلمة الواحدة ، فنجد الكلمة موحية بجرسها وبالظلال المتعلقة بها والتي تستمدها من أصل استعمالها ، كما سبق في كلمة " تراود " وفي كلمة " شغفها " وعلي الرغم من تحقق الإيحاء في بعض كلام الناس ، فإننا لا نكاد نجد كلمة واحدة قد تعددت مصادر إيحاءاتها . وميزة أخرى تتصل بإيحاء التراكيب أو ظلالها ، فإن القرآن يسقط كثيرا مما يمكن أن يقال لكنه مفاد من وراء التراكيب ، والقرآن بهذا مجال خصب لدرس التعريض والتلويح أو ما يسمي بمستتبعات التراكيب 35