سعيد عطية علي مطاوع

253

الاعجاز القصصي في القرآن

إهلاك الكفرة وإنجاء نوح ومن معه في السفينة . ثم أتبعه حديث السفينة ، ثم ختمت القصة بما ختمت . هذا كله من جانب البلاغة ، وأما جانب الفصاحة المعنوية ( أي خلوص المعني من التعقيد ) فهي نظم للمعاني لطيف ، وتأدية لها ملخصة مبيّنة ، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ، ولا التواء يشبّك الطريق إلي المرتاد ، بل ألفاظها تسابق معانيها ، ومعانيها تسابق ألفاظها . وأما جانب الفصاحة اللفظية ، فألفاظها عربية مستعملة ، جارية علي قوانين اللغة ، سليمة عن التنافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة ، كل منها كالماء في السلاسة ، وكالعسل في الحلاوة ، وكالنسيم في الرقة " 17 . ومما ينبغي أن يذكر أن تلك الجمل الثلاث قد تناولها بالدراسة كثير من النقاد ، فنجد عبد القاهر في " دلائل الإعجاز " يتخذها أنموذجا للبلاغة الساحرة ، مبرهنا بها علي أن الإعجاز إنما جاء من النظم ، وارتباط هذه الكلم بعضها ببعض ، وملاءمة معني اللفظة لمعنى التي تليها ، لا من حيث هي كلمة مفردة " 18 . ولقد عاد كل شئ إلي وضعه واستقر في مقره بهذه الجمل الثلاث ، ولقد شاء القدر أن يستريح نوح والمؤمنون معه بعد كفاح استمر ألف سنة إلا خمسين عاما مع قومه الكافرين والمعاندين فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ، لقد أمر كل من السماء والأرض ، وأمرهما من له الأمر دون داع إلي تصريح باسمه فائتمر كل بما أمر ، ولقد أبعد الظالمون بأمره . . وعن هذا المعني ذاته عبّر اللّه سبحانه في سورة القمر ، بقوله : " فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " ( سورة القمر : 11 - 15 ) . ويشير بعض الباحثين إلي تلك المعاني الرائعة التي تضمّنتها هذه الآيات ، بما موجزه أن : " هذه معان في أصلها إخبار عن وقائع جرت ، وأحداث حدثت علي أن معانيها - إذا تركنا النظر في أسلوبها إحالة علي ما سبق أمره - جديدة لا محالة ،