سعيد عطية علي مطاوع

249

الاعجاز القصصي في القرآن

بوجودها ، والتي تجئ إلي الناس علي غير انتظار ، وعلي خلاف أية صورة يتصورونها - ذلك أن أقل ما يقع للناس من المعجزة الواحدة المتكررة أنها ربما كانت وليدة الصدفة ، توارثها أصحابها . . خلفا عن سلف ، ثم إن حصر أمارات السماء في أمر واحد علي صورة واحدة ، متكررة ، فيه اتهام لقدرة اللّه ، وفتح باب واسع للتشكك في صدق الرسول . . . إذ أن القدرة الإلهية لا حدود لها ، فكيف لا يراها الناس إلا في صورة واحدة تتكرر علي الأجيال ؟ لهذا كان من تدبير الحكيم العليم القادر أن يكون في يد كل نبي دليل صدقه الذي لا يشاركه فيه غيره ، وأن تكون معجزته التي يلقي بها الناس حدثا فريدا ، لم يقع لهم في خاطر ، ولم يحلّ لهم في تفكير " 14 . وهكذا تأتي رسالة الرسول الأمين - صلي اللّه عليه وسلم - فتتسم بصفة خاصة تميّزها عمّا سبقها من الرسالات ، إذ أنها الحلقة الأخيرة من سلسلة البعث ، ولذا وجب أن يكون ( إعجاز ) القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال ، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري ، وعالم اللغة بتذوقه العلمي ، ومع أن المسلم اليوم فقد فطرة العربي الجاهلي ، وإمكانيات عالم اللغة ، إلا أن القرآن الكريم لم يفقد جانب إعجازه لأنه ليس من توابعه ، بل من جوهره ، وإنما أصبح المسلم مضطرا إلي أن يتناوله في صورة أخري بوسائل أخري ، فهو يتناول الآية من حيث تركيبها النفسي الموضوعي ، أكثر مما يتناولها من ناحية العبارة ، فيطبّق في دراسة مضمونها طرقا للتحليل النفسي والأدبي 15 ، الأمر الذي سنبحث جانبا منه في وجوه الإعجاز القصصي في القرآن الكريم . أ - الإعجاز البياني في القصص القرآني : ذكرنا من قبل أن القصة في القرآن ليست عملا فنيا مستقلا في موضوعه وطريقة عرضه وإدارة حوادثه كما هو الشأن في القصة الفنية الحرة التي ترمي إلي أداء غرض فني طليق ، إنما هي وسيلة من وسائل القرآن الكثيرة إلي أغراضه الدينية . والقرآن