سعيد عطية علي مطاوع

229

الاعجاز القصصي في القرآن

فإخوة يوسف مثلا ظلوا ضحايا الكبت الذي عانوه ، كي يخفوا رغبتهم في التخلّص من يوسف ، حتى يخلو لهم حبّ أبيهم ، ولكنهم كانوا يفشلون في إخفائها وكبتها ، بل كثيرا ما تبدو فيما يصدر عنهم من مواقف أو كلمات ضد يوسف ، مما جعل يعقوب يشك في حسن نيّاتهم عندما دعوا يوسف أن يلعب . فقال لهم : " وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ " ( يوسف : 13 ) وكان من نتيجة هذا الكبت ومعاناته أن انحرفوا بتفكيرهم . . . فكل ما كان يهمّهم تحقيقه هو أن يحولوا بين يوسف وأبيه ، فاتّفقوا على قتله ، وتلطيخ قميصه بالدم ، وادّعاء أن الذئب أكله لما ذهبوا يتسابقون وتركوه عند متاعهم . ولكن التلفيق كان واضحا ، لأن القميص لم يكن ممزقا بآثار أسنان الذئب ، مما جعل يعقوب لا يصدقهم . ولهذا كان يدعوهم دائما إلى أن يتقصّوا آثار أخيهم ، ولو أنه صدّقهم في دعواهم لما أصرّ على أن يقتفوا آثاره . . وقد وقعوا في حالة ( التبرير ) كما يفعل الذئب ، إذ يعمد إلى تفسير سلوكه ليبيّن لنفسه وللناس أن لسلوكه هذا أسبابا معقولة ، فهم يقولون : " قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ " ( يوسف : 17 ) . وإذا كان " الإسقاط " هو حيلة يسقط بها المرء نقائصه وعيوبه على الآخرين . . ويهمه بالدرجة الأولى أن يلصقها بمن يظن أنه ينافسه مباشرة ، وإذا كان هذا هو مفهوم الإسقاط في علم النفس ، فإن القرآن الكريم روى ذاك عن إخوة يوسف ، حينما دسّ يوسف صاع الملك في متاع أخيه ، وألقى القبض عليه بتهمة السرقة ليستبقيه ، دون أن يكشف لهم عن شخصيته . إذ تقول الآية الكريمة على لسانهم : " إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ " ( يوسف : 77 ) . ولو استقصينا لوجدنا في السورة آيات أخرى تتحدّث في بساطة عن أدقّ النظريات لعلم النفس الحديث 52 .