سعيد عطية علي مطاوع

206

الاعجاز القصصي في القرآن

التزام القرآن الكريم للواقع في قصصه غير صحيحة . والمقدمة تتمثل في إقراره بوجود مفارقات بين ما يكرر من أحداث القصة الواحدة ، وسوف ندفع هذه الشبهة عند عرضنا لقصة موسى موزعة في إحدى عشرة سورة من سور القرآن الكريم ، لننفي وجود هذه المفارقات التي لا يبررها علي افتراض وجودها ما يقتضيه العمل الفني والأدبي من تصرّف في عناصر الأحداث أو الشخصية . لأن هذا - وإن جاز في القصص الأدبي التاريخي - لا يجوز بحال في القصص القرآني واللّه تعالى يقول : " لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( سورة يوسف : 111 ) . إن الجمال الفني في قصص القرآن لا يعتمد علي الخلق والابتكار والخيال ولكن علي صدق الرواية ، وإبداع العرض ، وجمال الأداء . أما من ناحية الوحدة القصصية فيقول " الدكتور خلف اللّه " باستحالة الجمع بين ما جاء من قصة إبراهيم عليه السلام مفرقا بين سور " البقرة " و " هود " و " الأنبياء " في وحدة قصصية وكذلك قصص غيره من الأنبياء . ولقد انطوى هذا القول علي مغالطات جسيمة لأن الوحدة القصصية ، حسب ما تعارف عليه - النقاد - " هي وحدة بطل القصة أو وحدة موضوعها ، ووحدة البطل هنا هي " إبراهيم " في سورة البقرة ، في بداية نبوته عندما أراد أن يطمئن قلبه فسأل ربه برهانا على كيفية البعث ، وهي " إبراهيم " أيضا في سورة الأنبياء عندما أراد أن يضع بين أعين قومه برهانا علي ضلالهم في عبادة الأصنام : " فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ " ( الأنبياء : 58 ) وكاد ينجح في مهمته مع قومه لولا أنهم نكسوا علي رؤوسهم . . وهي " إبراهيم " أيضا ، في سورة مريم حينما رأي نفسه عاجزا عن هداية أبيه وهو أقرب الناس إليه وأكرمهم عليه إلى الإيمان بدعوته " 20 . أما وحدة الموضوع فهي بالجملة طلب " إبراهيم " وهو يباشر دعوته أن يقتنع