سعيد عطية علي مطاوع

189

الاعجاز القصصي في القرآن

وهنا يسدل الستار ، ويطوون الطريق لا نعلم عنهم فيه شيئا ، إنما يرفع الستار فنجدهم في مصر أمام يوسف : " فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ " ( يوسف : 88 ) . ج - وثالثة الخصائص الفنية في عرض القصة - التصوير الفني : إن التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن . فهو يعبّر بالصورة المحسّة المتخيّلة عن المعني الذهني ، والحالة النفسية ، وعن الحادث المحسوس ، والمشهد المنظور . وعن الأنموذج الإنساني والطبيعة البشرية . ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة ، أو الحركة المتجددة . فإذا المعني الذهني هيئة أو حركة ، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد ، وإذا الأنموذج الإنساني شاخص حي ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية . فأما الحوادث والمشاهد ، والقصص والمناظر ، فيردها شاخصة حاضرة ، فيها الحياة ، وفيها الحركة ، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التخييل . فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة ، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول ، الذي وقعت فيه أو ستقع ، حيث تتوالى المناظر ، وتتجدد الحركات ، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ، ومثل يضرب ، ويتخيّل أنه منظر يعرض ، وحادث يقع . فهذه شخوص تروح علي المسرح وتغدو ، وهذه سمات الانفعال بشتى الوجدانات ، المنبعثة من الموقف ، المتساوقة مع الحوادث ، وهذه كلمات تتحرك بها الألسنة ، فتنمّ عن الأحاسيس المضمرة . إنها الحياة وليست حكاية الحياة . . فإذا ما ذكرنا أن الأداة التي تصوّر المعني الذهني والحالة النفسية وتشخص الأنموذج الإنساني أو الحادث المروي ، إنما هي ألفاظ جامدة ، لا ألوان تصور ، ولا شخوص تعبّر ، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في تعبير القرآن 76 . وبعد لقد استطردنا في تتبع معظم خصائص القصة القرآنية . ولكن مما لا شك فيه أن قوة العرض والإحياء هي السمة البارزة في مشاهد القصة جميعا . وأن هذا اللون هو الذي يطبعها ، ويغلب فيها علي الألوان الأخرى .