سعيد عطية علي مطاوع
187
الاعجاز القصصي في القرآن
9 - والقرآن في أكثر قصصه يعتمد علي أسلوب الأقصوصة في العرض ، فيسيطر بذلك علي الموقف ، لينتقي من الأحداث التي وقعت ما يحقق الهدف ، وينسقها في إطار فني لا يخرج عن الحقيقة ، ولا ينبو علي الواقع ، فالبيان القرآني - هنا - يحرّك الأشخاص الحركة نفسها التي تحرّكوها في الواقع الماضي ، غير أنه ينتقل بهم في قفزات ، متجاوزا من ذلك ما يراه لا يفيد في الغرض ، فيجمع بذلك بين الصدق الواقعي والصدق الفني ، إذ لا يتوسل إلى إبراز موضوعه بوسائل مخترعة ينسب فيها إلى أشخاصه ما هم منه برآء ، ولا يترك ركام الأحداث الجانبية يطغي علي الموضوع فيضلل المتلقي ، وينأى به بعيدا عن الموقف الحقيقي ، ولذا يغلب علي قصصه نسبة الأقوال إلى أصحابها بواسطة ( قال ) ، وقصّ ما حدث بما يناسب من وسائل الرواية والسرد القصصي ، علي نحو ما جاء في قصة أصحاب الكهف ، وقصة سليمان ، وقصة يوسف . . . بيد أن تنمية الأحداث في بعض قصصه تعتمد بالدرجة الأولى على الوصف والتصوير كما توضحه قصة أصحاب الكهف ، وفي بعضها تعتمد بالدرجة الأولي علي الحوار كما في قصة " موسى والعبد الصالح " التي قدمتها سورة الكهف . . . وقد يجمع بين الوسيلتين بدرجة متقاربة في تنمية الأحداث كما في قصة سليمان وملكة سبأ . ونبحث عن السرّ في ذلك فنجده يرجع إلى موضوع القصة ، وإلى الغاية منها ، فالقصة التي يقصّد بها الوعظ وإرساء قيم خلقية يهتم فيها بالقص الواصف المستوعب ، والقصة التي يقصّد بها إقرار عقيدة أو توضيح فكرة يهتم فيها بالقص الحواري ، فتبث في ثنايا الحوار الخفيف ما يصعب علي العقل البشري استساغته من أفكار وعقائد . فإذا اجتمع في القصة المقصدان نجدها تقوم علي السرد الوصفي والحواري بدرجة تتقارب تقارب المقصدين فيها ، وتتفاوت تفاوتها 75 . ب - وثانية هذه الخصائص الفنية في عرض القصة ، تلك الفجوات بين المشهد والمشهد ، التي يتركها تقسيم المشاهد " وقصّ " المناظر ، بحيث تترك بين كل مشهدين أو حلقتين فجوة يملؤها الخيال ، ويستمتع بإقامة القنطرة بين المشهد والمشهد اللاحق . . . وهذه طريقة متّبعة في جميع القصص القرآني علي وجه التقريب ، ولنضرب عليها