سعيد عطية علي مطاوع

164

الاعجاز القصصي في القرآن

فهذه هي الحالة الأولى التي يتعرف موسى عليه السلام على مظهر المعجزة في عصاه ، وقد أراد اللّه أن يطلعه على هذا السرّ ليكون على خبر منه ، فهي ليست عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه ، وإنما هي معجزة رسالة وبرهان رسول ، فقد كانت في يمينه عصا جافة ميتة فإذا هي تتحول بقدرة الإعجاز إلى حياة تتحرك ومخلوق يسعى . . " وإذا تدبّرنا لفظ " حية " أوحى لنا بالمقابلة المستورة بينها وبين كلمة " عصا " وهي مقابلة تقوم برهانا على الإعجاز حين تصور لنا مظاهر الموت في العصا مشاهد حياة تتحرك وتسعى . . وبهذا يكون لفظ " حية " أصدق الأسماء الثلاثة تعبيرا عن معناه في مقام السياق " 41 . أما لفظ " جان " ، فقد جاء يلائم مقامه في قوله تعالى : " وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً " ( النمل : 10 ؛ القصص : 31 ) . إن الجان اسم لما دقّ من الأفاعي وخف ، وهو في تصاريفه يدور حول معاني الخفة والرشاقة المصحوبة بالعجب والخيلاء 42 ، ولهذا جاء مناسبا لكلمة " تهتز " في التشبيه ليعطى التصور الدقيق لحركة العصا حين تحولت إلى أفعى دقيق الجسم خفيف الحركة يتراقص في استعراض للرشاقة يأخذ بالألباب 43 . ثم يأتي لفظ " ثعبان " في موضعه من قوله تعالى : " فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ " ( سورة الأعراف : 107 ؛ الشعراء : 32 ) . وهو لفظ يدل على تفجّر الحركة وسرعة انسيابها وأصله من ثعب الماء إذا تفجر وانساب ، وهو أيضا يدل على معنى الضخامة والفخامة ، ومنه قيل : الأثعبان للوجه الضخم ، وبه سمّي الثعبان لضخامته . فلفظ " ثعبان " بدلالته على هذه المعاني أنسب الأسماء الثلاثة بالبيان في المقام الذي جاء فيه ، وهو مقام تحدّ ونزال جمع فيه فرعون الأجناد ، وحشد له السحرة والحواة فسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ، وقال لموسى متحديا : إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ، فألقى موسى عصاه