سعيد عطية علي مطاوع
157
الاعجاز القصصي في القرآن
وقال الخليل وسيبويه : إن مجيئها في الآية علي هذا النحو لإفادة التأكيد بعد التأكيد . وهذا الكلام صحيح من وجهة النظر النحوية ، ولكن هذا لا يعني أنهما مترادفان في التأكيد فيقال فيهما " توكيد بعد توكيد " وإنما لكل منهما تأكيده الخاص وجهته المنفردة . . . فلفظ " كل " في صوره المختلفة يدل علي الإحاطة والشمول ، أما لفظ " أجمع " فيدل علي الضم والاجتماع . فيكون الأول تأكيدا لمعنى الوحدة في الفاعل . والثاني تأكيدا لمعنى الوحدة في الفعل . . . ويكون ذكرهما معا في الآية الكريمة لإحكام البيان في صفة السجود وهيئته ليدل بالأول ( كلهم ) علي عموم الامتثال ، وبالثاني ( أجمعون ) علي سرعة الاستجابة . . . وبهذا يكون التأكيد ب ( كل ) لإفادة أن العدد العديد صار فردا واحدا في امتثال الفعل ويكون التأكيد ب ( أجمع ) لإفادة أن العدد العديد صار فردا واحدا في حركة الفعل . . . وقد سئل " المبرد " عن اجتماع اللفظين في الآية فقال : لو قال : " فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ " احتمل أن يكون سجد بعضهم . فلما قال ( كلهم ) زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا . ثم بعد ذلك بقي احتمال آخر وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كلهم وأحد منهم في وقت آخر . فلما قال ( أجمعون ) ظهر أن الكل سجدوا دفعة واحدة 28 . وتتجلي هذه الدقة أيضا في قوله تعالى في قصة لوط عليه السلام : " إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ " ( سورة الحجر : 59 ) . فقد ذكر لفظ أجمعين دون أن يأتي معه بلفظ كل . لأن المقام مقام إحاطة وشمول في هيئة الفعل وحركة الزمن لأن النجاة تحققت للناجين من آله في لحظة واحدة ، هي نفس اللحظة التي تحقق فيها الهلاك بالصيحة علي المجرمين من قومه . ولم يقل ( كلهم ) لأن النجاة لم تتحقق لكل فرد من الآل بدليل قوله ( إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ ) ( سورة الحجر : 60 ) . ولو قال ( إنا لمنجوهم كلهم ) لكان ذلك منافيا للاستثناء 29 .