سعيد عطية علي مطاوع
107
الاعجاز القصصي في القرآن
عنها بالقبول والرفض ، والفكر المستقلّ ، والإدارة المتحررة ، وكامرأة لها خصائص أنوثتها . . فقد استطاعت امرأة فرعون أن تحرر فكرها ووجدانها من كل الأواصر والمؤثرات والقيود ، فترفض أن تسير في ركاب زوجها ، وأن تنساق في تيار المجتمع الذي تعيش فيه ، بل تعلن عن موقفها في ثبات وإيمان ، بعد أن اتضح لها ضلال فرعون وقومه ، وتبين لها الحق في دعوة موسى ، رغم ضغط المجتمع وشدة وطأته ، ورغم مغريات الحياة الرخيّة الناعمة في قصر أعظم ملوك الأرض ، ورغم آصرة الزوجية التي تربطها بفرعون فكانت مثلا للشخصية الإنسانية المستقلة في الإيمان بالمبادئ والقيم 168 : " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ " ( سورة التحريم : 11 - 12 ) وإفراد امرأة فرعون بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل علي المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم في الذكر ، بسبب ملابسات حياتها . . فهما الاثنتان أنموذجان للمرأة المتطهرة المصدقة القانتة . . ولا يعنينا هنا التحقيق التاريخي لشخص امرأة فرعون . . فالإشارة القرآنية تعني حقيقة دائمة مستقلة عن الأشخاص ، والأشخاص مجرد أمثلة لهذه الحقيقة ، فالقرآن الكريم يستخدم الحادثة المفردة لتصوير الحقيقة المجردة ، الباقية وراء الحادثة ووراء الزمان والمكان 169 . . أما ذكر اسم مريم كاملا فهو اصطفاء لمريم بالذات وهو اختيارها دون نساء العالمين كلهن : " وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " ( سورة آل عمران : 42 - 43 ) - اختيارها لتضع مولودا دون أن يمسها رجل . . ولذلك لم يذكر القرآن الكريم اسم امرأة فرعون ، لأن القرآن حين تأتي أخبار المعجزات والقصص الإيمانية ، لا يذكر اللّه سبحانه وتعالى الاسم كاملا ، لأن هذه لمحات إيمانية مقصود أن يقتدي بها الناس . .