مصطفى صادق الرافعي

9

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

النفس وطباعها ونظام حياتها هذه المنزلة ، من الجماعة ، إلى الأمة ، إلى المجتمع كله ، بحيث يلائم بين المتفرقات ويجانس بين المختلفات ! وينقص من الزائد ويزيد في الناقص ، ويقوم من الاجتماع مقام الحاكم على تلك الأسباب المجهولة التي تدفع الجماعات في كل لحظة إلى قضايا النزاع في مصالحها العالمية ، وتديرها على قانون التجمع والتألف كما تديرها على قانون التفكك والتبعثر في وقت معا . لقد أثبت تاريخ الإنسانية أن هذا اليقين الساري فيها لن يكون غير الدين ، فهو وحده معنى الجاذبية بين المعلوم الذي تبدأ النفس سيرها منه ، وبين المجهول الذي تصير النفس إليه طوعا وكرها ؛ وما دامت الجاذبية فيه وحده فلن يستطيع شيء غيره أن يقيم حدود الإنسانية أو يحفظ ما يقيمه منها ؛ وما غاية العلم إلا أن يكون قوّة في هذه الحدود أو قوة لبعضها على بعضها بمنفعة أو مضرّة وهي في الجملة ما اصطلحوا على تسميته بالآداب الإنسانية والأخلاق الإنسانية . على أنك ترى أصحابنا . . . لا يتحاملون على شيء ما يتحاملون على القرآن الكريم ، فهم يخصونه بمكاره العلم كلها ، ويجفون عنه أشد جفاء ، وإنهم وإياه في غرورهم وأوهامهم لكالطيّارات غرّها أن تصعد في الجو فمضت حاشدة في حملة حربية إلى فلك الشمس . ألا إن دون هذه الشمس سنن الكون وقوانين الأقدار ونظام الأبدية ، مما تستوي عنده طيارات الأرض ودبابات الأرض . . . حتى ما بين هذه وهذه منزلة أو فرق ، وإن جعل العلم بينهما فروقا وفروقا ومنازل ومنازل . دع جهلهم باللغة وأسرار البيان ، فهو السبب الحق الذي ضل بهم وجعلهم يرون القرآن كلاما من الكلام يجرون عليه الحكم الذي يجري على غيره ، كما يظن الجاهل الذي ليس في نظره معان عقلية - كل صورة ككل صورة وكل حصاة ككل جوهرة ، ويذهب يقيم لك البرهان على صحة نظره من الخطوط والتقاسيم والألوان والأوصاف ومعان فلسفية اقتصادية . . دع هذا وخذ في السبب العلمي الذي ينقمونه من القرآن فهم يرونه صورة من الثبات والاستقرار ، ويعلمون أن العقيدة قد محته من قانون التحول والتغير وجعلته في ذلك قانونا وحده ؛ ثم يقفون عند هذا وحسب فما ندري أمن علم أم جهل لا يصدقون أن في العالم معجزات والمعجزة ماثلة بين أيديهم على مقادير متفاوتة ودرجات مختلفة ، تبدأ من إعجاز القوي للضعيف ، ثم الأقوى للقوي ، ثم الشاذ للأقوى ، ثم ما كان إلهيا لما كان إنسانيّا . لا يعلمون - أصلحهم اللّه - أن استقرار القرآن وهو شريعة وأخبار وآداب ، هو بعض أدلة إعجازه ، بل أقواها ، بل دليلها الزمن المنسحب على الزمن ، إذا كانوا قوما