مصطفى صادق الرافعي
88
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وما يزال أثر ذلك ظاهرا في فواتح الكتب العلمية لذلك العهد على اختلافها فما تستفتح من كتاب إلا أصبت في مقدمته غرضا من تلك الأغراض التي أشرنا إليها ، أو ما يصلح أن يكون غرضا منها « 1 » ؛ ثم هو أمر ليس أدل على تحقيقه من كتب التفسير ، فإنه لا يعرف في تاريخ العالم كله - من لدن أرخ الناس - كتاب بلغت عليه الشروح والتفاسير والأقوال والمصنفات المختلفة ما بلغ من ذلك على القرآن الكريم ولا شبيها به ولا قريبا منه ، حتى فسرته الرّوافض بالجفر ، على فساد ما يزعمون وسخافة ما يقولون ، وعلى سوء الدعوى فيما يدّعون من علم باطنه بما وقع إليهم من ذلك الجفر « 2 » واستنبط منه
--> القرآن بحرف الدجاج . . . ؟ وغدوا عليهم فصفعوهم ؛ فما تخلص أبو خليفة والقوم الذين كانوا معه من أيديهم إلا بعد كد طويل . وتروى هذه النادرة على وجه آخر ، ولكن رواية المسعودي أملح ؛ وكلتا الروايتين إلى مآل واحد ؛ وفي رواية أخرى يقول الرجل العاصي : « إنهم زنادقة يقرءون القرآن على صياح الديكة » . وروى ابن الأنباري في طبقات الأدباء : أن محمد بن المستنير المعروف بقطرب المتوفى سنة 206 ه - لما صنف كتابه في التفسير ؛ أراد أن يقرأه في الجامع ؛ فخاف من العامة وإنكارهم عليه ، لأنه ذكر فيه مذهب المعتزلة ؛ فاستعان بجماعة أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته في الجامع ، والأخبار من مثل ذلك غير قليلة . ( 1 ) ومن ذلك أن ( حكم الشارع ) صار عند المتأخرين أحد المبادئ العشرة لكل فن . ( 2 ) قال ابن قتيبة ( في تأويل مختلف الحديث ) هو جلد جفر ادعوا أنه قد كتب لهم الإمام فيه كل ما يحتاجون إلى علمه ، وكل ما يكون إلى يوم القيامة ، ثم أورد أمثلة من تفسيرهم ، فمن ذلك قولهم في قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً : إنها عائشة رضي اللّه عنها . . . وفي قوله تعالى : فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها : أنه طلحة والزبير ، وقولهم في آية الخمر والميسر : إنهما أبو بكر عمر . وفي آية الجبت والطاغوت : إنهما معاوية وعمرو بن العاص . . الخ الخ ، وكان بعض أهل الأدب يقول ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر ، فإنه قال ذات يوم : ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل : بيت زرارة محتب بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل أنه في رجال منهم . قيل له : فما تقول أنت فيهم قال : البيت بيت اللّه ، وزرارة الحجر . قيل : فمجاشع ؟ قال : زمزم جشعت بالماء . قيل : فأبو الفوارس قال : أبو قبيس . قيل : فنهشل قال : نهشل أشدها . وفكر ساعة ثم قال : نهشل مصباح الكعبة ، لأنه طويل أسود ، فذلك نهشل . . . ا ه - . والمراد بالجفر رق صنع من جلد البعير . ومن أراد الاتساع في معرفته فليرجع إلى ما نقله صاحب كشف الظنون في معنى علم الجفر والجامعة وأهل هذا العلم . وقد كشف ابن خلدون في مقدمته في فصل ابتداء الدول والأمم عن شيء من مسمى هذا الجفر ، ونقل أنه كان جلد ثور صغير . وأن هارون العجلي روى ما فيه عن جعفر الصادق وكتبه في كتاب سماه الجفر ، قال : وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني . وعندنا أن كل ذلك موضوع وباطل ، وأن الكلام فيه أسلوب من أساليب القصص وضرب من التهويل والمبالغة ، ولا نظن أن علم ما كان وما يكون شيء يسعه أو يسع الرمز إليه جلد ثور ، إلا أن يكون هذا الثور هو الذي قيل فيه إنه كان يحمل الأرض قديما على أحد قرنيه . . . ! .