مصطفى صادق الرافعي
86
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
ودوّن منه كتبا ، وتجنّب شدائد عبد اللّه بن عمر ، ورخص عبد اللّه بن عباس ، وشواذّ ابن مسعود ، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، لنحمل الناس إن شاء اللّه على علمك وكتبك ، ونبثّها في الأمصار ، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها ولا يقضوا بسواها . فقلت : أصلح اللّه الأمير ، إن أهل العراق لا يرضون علمنا ولا يرون في علمهم رأينا . فقال أبو جعفر « يحملون عليه وتضرب عليه هاماتهم بالسيف وتقطع ظهورهم بالسياط ! » فتعجّل بذلك وضعها ، فسيأتيك محمد ابني ( المهدي ) العام القابل إن شاء اللّه إلى المدينة ليسمعها منك ، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء اللّه ! » . ثم قدم المهدي على مالك ، وقد وضع أجزاء كتابه ( الموطّأ ) فأمر بانتساخها وقرئت على مالك . إلى أن كانت سنة 174 ه فخرج الرشيد حاجا ، ثم قدم المدينة زائرا ، فبعث إلى مالك فأتاه فسمع منه كتابه ذلك ، وحضره يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن ، ولم يتخلف من رؤسائهم أحد إلا وحضر الموسم مع الرشيد ، وسمع وسمعوا من مالك موطأه كله ، ثم أنكروا عليه مسألة فناظروه فيها ، حتى إذا كشف لهم عن وجهها وأبان فيها طريق الرواية والتأويل صاروا إلى الرضى بقوله والتصديق لروايته والتسليم لتأويل ما تأوّل . لا جرم كان هذا سببا في اجتماع كلمة الفقهاء إن لم يكن ديانة فسياسة ، ولم يؤثر من بعدها عن جماعة أهل العراق ما كانوا يستطيلون به على أهل الأمصار الأخرى ، من عرض الدعوة وتطويل الحديث ، وتخطئة من لا يليهم أو يواليهم ؛ وقد كانوا قبل ذلك يربونهم « 1 » ويضيّقون عليهم متنفسهم من العلم ، ويرون أن هذا العلم عراقي ، وأن ليس الأمر مع غيرهم بحيث إذا هو جدّ فيه رأى المادّة مؤاتية وبلغ منه مثل الذي بلغوه وكان دركه حقيقا بأن يسمى عندهم دركا ، ولعل ذلك جاءهم في الأصل من قبل العربية وأهلها ، فقد علمت من ( باب الرواية ) كيف كانوا يبسطون ألسنتهم ويتنبّلون بعلمهم ويذهبون بأنفسهم ؛ إذ لم يكن في الأرض أعلم منهم بالعربية ؛ ولا أوثق في روايتها ، ولا أجمع لأصولها ، ولا أصح في ذلك كله « 2 » .
--> ( 1 ) يقال فلان لم يزل يسأل فلانا حتى أرباه بالمسألة ، وذلك إذا سأله حتى ضايقه كأنما أصابه بالربو ، وهو عسر النفس . ( 2 ) مما يذكرونه من صنع الرشيد للفقهاء وعلومهم ، هذا الخبر الذي يروي عن زاهد وقته وعالم دهره عبد اللّه بن المبارك المتوفى سنة 182 ه - : وذلك أن الرشيد حين قدم الرقة ؛ لقي عبد اللّه هذا ، فلما همّ بالقيام من عنده - وكان قد زاره في داره - قال ابن المبارك : يا أمير المؤمنين ، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا ، فقال الرشيد : أجل ، إنه ما قلت . ثم لما قدم الرشيد العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر : أن كتب إلى الأمصار كلها ، وإلى أمراء الأجناد : أما بعد ، فانظروا من التزم الأذان عندكم ، فاكتبوه في ألف من العطاء ، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر