مصطفى صادق الرافعي

83

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أكثره على عهد الصحابة رضي اللّه عنهم يوم كان العلم فروعا قليلة ، إذ كانت الأعلام بيّنة لائحة ، وطريق الإسلام لا تزال فيها آثار النبوة واضحة ، ومن ثم جعلت العلوم تنبع من القرآن ثم تستجيش وتتسع ، وأخذ بعضها يمدّ بعضا . قال أحد العلماء « فاعتنى قوم بضبط لغاته وتحرير كلماته ، ومعرفة مخارج حروفه ، وعددها ، وعدد كلماته وآياته وسوره وأحزابه وأنصافه وأرباعه ، وعدد سجداته ، والتعليم عند كل عشر آيات ؛ إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة ، والآيات المتماثلة ، من غير تعرض لمعانيه ، ولا تدبّر لما أودع فيه فسموا القرّاء ! . « واعتنى النحاة بالمعرب منه والمبني من الأسماء والأفعال والحروف العامة وغيرها ، وأوسعوا اللام في الأسماء وتوابعها ، وضروب الأفعال . واللازم والمتعدي ، ورسوم خط الكلمات وجميع ما يتعلق به ، حتى إن بعضهم أعرب مشكله ، وبعضهم أعربه كلمة « 1 » . « واعتنى المفسرون بألفاظه ، فوجدوا منه لفظا يدل على معنى واحد ، ولفظا يدل على معنيين ، ولفظا يدل على أكثر ، فأجروا الأول على حكمه ، وأوضحوا معنى الخفي منه ، وخاضوا في ترجيع أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني ، وأعمل كل منهم فكره ، وقال بما اقتضاه نظره . « واعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية والشواهد الأصلية والنظرية ، فاستنبطوا منه ، وسموا هذا العلم بأصول الدين « 2 » . « وتأملت طائفة منهم معاني خطابه ، فرأت منها ما يقتضي العموم ، ومنها ما يقتضي الخصوص ، إلى غير ذلك فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز . وتكلموا في التخصيص والأخبار والنص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه والأمر والنهي والنسخ ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء ، وسموا هذا الفن أصول الفقه . « وأحكمت طائفة صحيح النظر وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام وسائر

--> ( 1 ) توسع النحاة وأهل اللغة في شواهد القرآن ونقبوا عنها واستعرضوا لها ما انتهى إليهم من كلام العرب ، فلا يعرف في تاريخ العلوم اللسانية قاطبة شواهد تبلغ عدتها أو تقاربها أو تكون منها على نسبة متكافئة ، فإن مبلغ ما أحصوه من شواهد القرآن فيما ذكروا ثلاثمائة ألف بيت من الشعر ، ولعمر أبيك إنها لمعجزة في فنها ولو بلغت الشواهد نصف هذا القدر لكانت المعجزة كاملة . ( 2 ) وهو الذي يقال له اليوم علم التوحيد .