مصطفى صادق الرافعي
80
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
كثيرة ، فإن الدلالة على الكثير وإن لم تكن هي إياه غير أنها تعيّنه وتصفه ، ومن ضرب بالحدود على فضاء واسع من الأرض فقد أظهره حتى لا يخطئ النظر الهين أن يطبقه ويستوعبه ، وإن كان فيما وراء ذلك من تعرّفه وقياسه واستخراج مبلغ ذرعه ما يبلغ العنت ؛ ما ليس في العنت أبلغ منه . وبالجملة فإن القرآن إنما يريد بآدابه وعظاته الإنسان الاجتماعي لا الصورة الإنسانية التي تخلقها العصور التاريخية والسياسية أصنافا من الخلق ، أو تفتري عليها ضروبا من الافتراء ، فهو يريد كلّ ما فيه من الآداب الاجتماعية على هذه الجهة لا يعدوها ، وليس فيه من آية من الأدب والأخلاق إلا هو يريغ بها ناحية من هذا المقصد ، ومن أجل ذلك بقيت روح آدابه في أنفس المسلمين لا تغيير في الجملة وإن تغيروا لها وانصرفوا عنها ، كأنها فيهم طبيعة وراثية ، ولقد كانت هذه الروح - ولم تزل - هي السبب الأكبر في انتشار الإسلام حتى بين أعدائه الذين أرادوا استئصاله ، كالتتار والمغول وغيرهم ممن اشتدوا عليه ليخذلوه ، ثم كانوا بعد ذلك من أشد أهله في نصرته والغضب له والدفع دونه ، وهو الإسلام لا دعوة له من أول تاريخه إلى هذه الغاية ، وإلى ما شاء اللّه ، إلا القدرة التي هي مظهر آدابه أو روح هذه الآداب ؛ فحيثما وجدت طائفة من أهله وجدت الدعوة إليه ، وإن لم ينتحلوها ويعملوا لها من عملهم وإن لم يتسخر هو من ورائهم الدعاة المنتخبين ولم يستحثهم للجولة بالعطايا والمنالات ، ولم يقتطعهم من الدنيا ليترامى بهم إلى غرضه في كل شرق ، وتلك دلالة صريحة على أنه الدين الطبيعي للإنسانية ، إذ تأخذ فيه النفس عن النفس بلا وساطة ولا حيلة في التوسط . . . وهي حقيقة زمنية لم يزل كل عصر يأتي الناس بدليلها ، ولم يستطع أعداء الإسلام أن يكابروا فيها فكابروا في تعليلها ! . وبعد فما أفصح وأبلغ ، وما أصحّ وأوضح ما ورد في صفة القرآن من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل » « 1 » . ونحن فما عدونا في كل ما قدمناه تفسير هذه الكلمات القليلة ، وإنّ فيها بعد لفضلا فاضلا ، لو وجد له فاصلا ، وقولا طائلا ، وأصاب له قائلا . القرآن والعلوم وللقرآن وجه اجتماعي من حيث تأثيره في العقل الإنساني ، وهو معجزة التاريخ
--> ( 1 ) يفهم العربي من هذا الحديث أن في القرآن تاريخا وأنباء من الغيب وشريعة ، أما نحن فنفهم منه أن فيه تاريخ الاجتماع الإنساني وتاريخ مسائله وحل مشكلته التي لا بد منها في كل عصر مما يزيغ الناس بحكم ما بينهم ، وإن ذلك كله مراد به جد الحياة لا هزلها ، ومعانيها الباقية في تاريخها الذاهبة في تواريخ أفرادها . وتأمل كيف قال : ( ما قبلكم وما بعدكم ) ولم يقل : من قبلكم ومن بعدكم .