مصطفى صادق الرافعي
7
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
مقدمة الطبعة الثالثة : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بما أنعم ، سبحانه ، على الإسلام وأهله . وأما بعد : فهذه هي الطبعة الثالثة من نسخ كتابي هذا ، تظهر اليوم وإن فينا مع فريق الطاعة فريق المعصية « 1 » ، ومع أهل اليقين عصبة الشك ، ومع طائفة الحقيقة دعاة الشّبهة ، ومع جماعة الهداية أفراد الضلالة ؛ يتخذون العلم دربة لإفساد الناس وتحليل عقدهم الوثيقة وتوهين أخلاقهم الصالحة القوية ، ويزعمون للعلم معنى إن يكن بعضه في العلم فأكثره في الجهل ، وإن يكن له صواب فله خطأ يغمر صوابه ، وإن كان فيه ما يرجع إلى عقول العلماء ففيه كذلك ما يرجع إلى عقولهم هم . . . ناهيك بها عقولا ضيقة معتلة غلب عليها الكيد ، وأفسدها التقليد ، ونزع بها لؤم الطبع شرّ منزع ، حتى استهلكها ما أوبقهم من فساد الخلق ، وما يستهويهم من غوايات المدنية ، فجاءونا في أسماء العلماء ولكن بأفعال أهل الجهل ، وكانوا في العلم كالنبات الذي خبث : لا يخرج في الأرض الطيبة إلا خبيثا وإن كان زكا ونما وجرى عليه الماء وانبثت فيه الشمس وانقلب ناضرا يرف رفيفا ، لأن هذه العناصر إنما قوتها وطيبها لإخراج ما فيه كما هو نكدا أو خبثا . وإنك لن تجد سيماهم إلا في أخلاقهم فتعرفهم بهذه الأخلاق فستنكرهم جميعا ، ولتعلمنّ عليهم كل سوء ، ولترينهم حشو أجسامهم طينا وحمأة ، في زعم كذب يسمي لك الطين طيبا ، والحمأة مسكا ، ولتجدن أحدهم وما في السفلة أسفل منه شهوات ونزغات وإنه مع ذلك ليزور لك ويلبس عليك فما فيه من لون عندك يعيبه إلا هو عنده تحت لون يزينه ، ولا رذيلة تقبّحه إلا هي في معنى فضيلة تجمّله ، فخذ منه الكذب في فلسفة المنفعة ، والتسفل في شعاعة الغريزة ، والوقاحة في زعم الحرية ، والخطأ في علة الرأي والإلحاد في حجة العلم ، وفساد الطبيعة في دعوى الرجوع إلى الطبيعة ، وبالجملة خذ أفعالهم فسمها غير أسمائها وأنحلها غير صفاتها وأكذب بالألفاظ على المعاني وقل علماء ومصلحون وأنت تعني ما شئت إلا حقيقة العلم والإصلاح .
--> ( 1 ) يعني المؤلف من يعني ممن ذكر في كتابه « تحت راية القرآن » ويذكر القراء أن الطبعة الثالثة من هذا الكتاب ظهرت سنة 1928 م وإبان اشتداد المعركة بين الجديد والقديم . انظر كتابنا « حياة الرافعي » .