مصطفى صادق الرافعي

62

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

الطبيعة الإنسانية إلى غير معانيه لكانت طبيعة شر وإن ظنت منزعها إلى الخير ، وأما التأليف بين ألسنتهم فيما ذهب إليه من المعنى العربي الذي حفظه القرآن على الدهر ، ببقائه على وجهه العربي الفصيح لفظا وحفظا وأداء ، لا يجد إليه التبديل سبيلا ، ولا يأتيه الباطل موجّها أو محيلا ، ولا يدخله التحريف كثيرا أو قليلا ، بحيث كأنه عقدة لغوية لا تتحلل منها الألسنة المختلفة أبدا ؛ وهذا من أرقى معاني السياسة ، فإن الأمم إن لم تكن لها جامعة لسانية ، لا يجمعها الدين ولا غير الدين إلا جمع تفريق ؛ وجمع التفريق هذا هو الذي يشبه الاجتماع في الأسواق على البياعات وعروض التجارة ونحوها ، فإن سوق الأمم تتاجر فيها الأديان والأهواء وتكدح فيها المصالح والمفاسد ، وفيها كذلك التغرير والخطار ، والكذب والخداع ، ولكلّ من أهلها شرعة ومنهاج . فبقاء القرآن على وجهه العربي ، مما يجعل المسلمين جميعا على اختلاف ألوانهم ، من الأسود ، إلى الأحمر ، كأنهم في الاعتبار الاجتماعي وفي اعتبار أنفسهم جسم واحد ينطق في لغة التاريخ بلسان واحد ، فمن ثمّ يكون كل مذهب من مذاهب الجنسية الوطنية فيهم قد زال عن حيّزه ، وانتفى من صفته الطبيعية ، لأن الجنسية الطبيعية التي تقدر بها فروض الاجتماع ونوافله ، إنما هي في الحقيقة لون القلب لا سحنة الوجه . وقد ورث المسلمون عن أوليتهم هذا المعنى : فلا يعلم في الأرض قوم غيرهم يعتصمون بحبل دينهم وأيديهم في الأغلال ، ويجنحون إليه بأعناقهم وهي في ربق الملوك من الإذلال ، ويخصونه بقلوبهم حتى يكون أملك بها وأغلب عليها ولا يحتملون فيه سخطة ، ولا يؤثرون عليه رضى ، ولا يعدلون به عدلا ، ويتبرمون بكل ضيق إلا ما كان من أجله ، ويرضون المحنة في كل شيء إلا فيه ، ثم هم لا يرون أنفسهم المؤمنة في إحساس الفطرة ، ومذهب الطبيعة إلا أنها بقية سماوية في الأرض تباين كل ما فيها ( أي الأرض ) ويشبه بعضها بعضا بالصفة والخاصة أنّى وجدت وكيف اتفقت وعلى أي حالة كانت ، وهذا كله مشاهد فيهم على أتمه وأبلغه ، بعد كل ما رهقهم بالعجز عن مداولة الأيام ، وصدمهم من أهل الاستبداد بكل محنة من الآلام ، وتوردهم من الزمان بكل سفه يعد في السياسة من الأحلام . على أنهم لا يعرفون أصل ما يحسونه ، ولا يتصلون إلى سببه ، وكأنما تقطع ما بينهم وبين أسلافهم ، وقد بقي القرآن على ذلك معروفا مجهولا ، ينفعهم بما عرفوا منه ولا يضرونه بما يجهلون فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا . وإن من أعجب ما يروعنا من أمر الجنسية العربية في القرآن : أنها تأبى إلا أن