مصطفى صادق الرافعي

60

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

في المعنى لغات متباينة ؛ فرب كلمة من لغة رجلين وإذا سمعاها رأيتها كأنما هي ليست من لغة أحدهما ، فلا تبلغ منه ولا تمسه ، كأن تكون كلمة من باب الحفاظ يسمعها عزيز وذليل ، أو لفظة من الكرم يلقاها جواد وبخيل . أنت إذا أنعمت على تدبر هذا المعنى ، وأطلت تقليب الرأي فيه ، وكان لا يعتريك من الخواطر إلا ما أحكمه العقل - فإنك واجد منه سبيلا إلى وجه من أبين وجوه للإعجاز اللغوي في القرآن الكريم ، فهو قد سفه أحلام العرب ، وخلع آلهتهم ، وقمع طغيانهم ، واشتد عليهم بالعنف محضا بعد اللين ممزوجا ، حتى جعلت دماؤهم كأنما ترقرق في بعض آياته ، ثم لم يهدأ عنهم ، بل ردّد ذلك وكرره ، وعمهم به ، وأرسله في كل وجه ، وقرع أنوفهم ؛ وهاج منهم حمية الجاهلية ، وجاراهم في مضمار المخاطرة ، وإلى حد المقارعة على عزة العشيرة وكثرة الحصى ؛ وهم القوم كانت لهم كلّ هتفة كأن الأرواح هواة في صوتها ، فلا يهتف بها حتى تنهض الأجسام لموتها ، ولا تسير على الأرض بالرجال ، حتى تطير إلى السماء بالآجال ؛ ثم لم يمنعهم ذلك وما إلى ذلك من أن ينقادوا ثم ينقادوا ! . لا جرم أنها كانت الفطرة اللغوية لا غير ؛ وإلا فما بال هؤلاء العرب قد خرجوا من تاريخهم بعد الإسلام كأنما نزعوا جلدتهم نزعا ، على حين كانت لهم الأمور المطمئنة ، والصفات المتوارثة ؛ من أخلاق شبوا عليها ؛ وعادات ينازعون إليها ، وطبائع هم بها أخصّ وهي بهم أملك ، ولم يكونوا مقطوعين عن التاريخ ، بل كان لهم ماض كأحسن ما تكلف به الأمم ، وكانوا عليه أحرص ما تكون أمة على ماضيها - كما نصفه في غير هذا الموضع - فلا الزمان تولاهم بعمله وهدم في أرضهم بمقدار ما بنى أو قريبا من ذلك ، ولا هم ورثوا طباعا من طباع وأخلاقا من أخلاق وخرجوا من ماضيهم كما تخرج أمة من أمة في سلسلة طويلة الذرع من حلقات الأجيال التي هي درجات للنشوء في تاريخ كل مجتمع ، ولا رأيناهم فيما وراء ذلك كالشعوب التي تمخضها الحوادث مخضا شديدا ، وتتعاورها بالحروب والفتن ، فتهدمها أنقاضا ولا تبدل منها إلا الشكل الاجتماعي ، وإلا هيئة الوضع ، والأمة بعد ذلك هي هي كيف هدمت وكيف بنيت : لا تزال على أعراقها وأخلاقها ، وربما عصفت الثورة الكبرى بأمة من الأمم ، وألحت عليها بالفتن دائبة ، ثم تسكن العاصفة ، وتقر الزلزلة ، وتطمئن الأرض وأهلها ، ولا يكون من جداء ذلك كله إلا اصطلاح لغوي في تاريخ الأمة لا يغني من الحق شيئا ؛ كأن تكون الأمة غريرة جاهلة مستبدا بها على وجه من الاستبداد ، ثم تصير بعد الثورة غريرة جاهلة أيضا ، ولكن في استبداد على وجه آخر ! . فالقرآن الكريم بتمكّنه من فطرة العرب على وجهه المعجز ، قد نزل منهم منزلة