مصطفى صادق الرافعي

54

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

نقول : إذا هو قرأ هذه الآيات البيّنات ثم تدبّرها وأحسن حملها وتأويلها ولم يكن كدر الحس ولا مريض الذوق ، فإن أحرفها تسطع له من نور الأخلاق بما يرى فيه أمة تضجّ في الحضارة وتختبط ، ومدنية تضطرب في أهلها وتختلط ، فلو أن أعضاء المجمع العلمي الفرنسي لعهدنا أرادوا مخاطبة أمتهم التي أوهاها الترف بلينه ، وأخذت في ظن الإثم بيقينه . ورقت فيها الأعراض وبدأ نسلها في الانقراض ، وتغالت في وجوه المدح والذم ، وسبح شرف أهلها يغتسل في الدم . وهبّت فيها الرذائل بأنواعها ، ورمتها كل أمة من أمم الأرض بدائها واسترسلت أخلاق الفتنة بين جرائيمها ، وأوشك أن يتصل ما بين تقيها وأثيمها . واجتمعت فيها النقائض اجتماع جوار ، لا اجتماع نفار ، من الإلحاد والإيمان ، والصلة والحرمان ، والحب الذي هو كالدين والعبادة إلى البغض الذي هو كالطبيعة والعادة ، والائتلاف الذي ليس له تلاف ، والإمساك الذي ليس له مساك ، إلى غير ذلك مما هو ألوان صورتها الاجتماعية التي هرمت وهي مع ذلك تتصابى ، وعلمت وهي على ذلك تتغابى ، قلنا : لو أن أولئك النفر أرادوا مخاطبة هذه الأمة على أن يتخوّلوها بالموعظة ، لما أصابوا في غرضهم أسدّ ولا أحكم ولا أبلغ من تلك الآيات ، يعرضونها على القوم فيبصرونهم صورة مجموعهم في مرآتها ، ويعرّفونهم مبلغ سيئاتهم من حسناتها ؛ وينفضون إليهم جملة الحال في شبه الإيجاز النظري من كلماتها « 1 » فلو أن ذلك واقع ثم أثرت عن القوم هذه الموعظة ورواها التاريخ بعد الأمد المتطاول ، لما استطاع امرؤ ذو علم بالتاريخ وفلسفته أن ينكر أن المراد بها الأمة الفرنسية بعينها في القرن العشرين بعينه ، وانظر أين ما بدأت مما انتهيت ؟ .

--> ( 1 ) المراد بالإيجاز النظري : استيعاب العين للحقيقة كلها في لحظة واحدة وهو إيجاز الحقائق الحسية .