مصطفى صادق الرافعي
29
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا « 1 » قال : فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها ، فلم أجدها عند أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم ، حتى وجدها عند خزيمة - يعني ابن ثابت - فكتبتها « ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ - إلى آخر السورة « 2 » فاستعرضت المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم ، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم ، حتى وجدتها مع رجل آخر يدعى خزيمة أيضا ، فأثبتها في آخر براءة ولو تمت ثلاث آيات لجعلها سورة على حدة ، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا ، ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة ، وحلف لها ليردّنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء ، فردها إليها وطابت نفسه ، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف ، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد اللّه بن عمر في الصحيفة بعزمة فأعطاهم إياها فغسلت غسلا . قلنا : وكلام زيد نص قاطع في أنه كان يحفظ القرآن كله ، لم يذهب عنه شيء منه ، إذ كان يعرض ما في الصحف على ما ربط في صدره وثبت في حفظه ، ثم هو نص كذلك على أن زيدا كان لا يكتفي بنفسه بل يهب يستعرض الناس حتى يجد من يؤدي إليه ، كيلا ينفرد هو بالحفظ خشية أن يكون موضع ظنّة وإن كان الصحابة - رضي اللّه عنهم - قد أجمعوا على الثقة به ، فلم يثبت ما أثبته إلا بشاهدين : أحدهما من حفظ غيره . والآخر من حفظه . ثم بعث في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف ، وكانت سبعة - في قول مشهور - فأرسل منها إلى مكة ، والشام ، واليمن ، والبحرين ، والبصرة ، والكوفة . وحبس بالمدينة واحدا ، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام « 3 » ثم أمر بما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق ، ولم يجعل في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد . وكان جمع عثمان في سنة 25 للهجرة . وإنما أراد عثمان بذلك حسم مادة الاختلاف ، لأنه أمر يمدّ مع الزمن وتنشعب الأيام به . وهو إن أمن في عصره لم يدر ما يكون بعد عصره ، وقد أدرك أن العرب لا يستمرون عربا على الاختلاف والفتوح ، وأن الألسنة تنتقل ، واللغات تختلف . ثم هو
--> ( 1 ) سورة الأحزاب . ( 2 ) سورة براءة . ( 3 ) الأصل في هذه التسمية ما جاء في بعض الروايات من أن عثمان لما بلغه اختلاف المعلمين في القرآن كما أوردناه آنفا ، قال : عندي تكذبون به وتلحنون فيه ! فمن نأى عني كان أشد تكذيبا وأكثر لحنا ، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما .