مصطفى صادق الرافعي

235

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أهل البيت رضوان اللّه عليهم ومن اتصل منهم بسبب « 1 » ، أورثهم ذلك أفصح الخلق ولادة ، وجادت لهم طباعه الشريفة بهذه الإجادة ، فما تعارضهم بمن يحسن البلاغة إلا كانت لهم في البلاغة الحسنى وزيادة ! . وبعد فإن القول ما قاله الحسين عليه السلام : « لن يؤدّي القائل وإن أطنب في صفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم من جمع جزءا » . وقد قلنا بمقدار ما فهمنا وما شهدنا - يعلم اللّه - إلا بما علمنا ، وتلك نعمة على المسلمين لا يكتمها إلا البغيض ، ولا ينكرها في الناس إلا ذو قلب مريض ، ومن جعل أنفه في قفاه « 2 » فإنما السّواة أن يفتح فاه . . . ! . على أننا إن كنا قد عجزنا ، ووعدنا الكلام أكثر مما أنجزنا ، فلا ضير أن نصف النجم في سراه ، وإن لم نستقرّ في ذراه ، ونستدلّ بما رأينا منه وإن لم ننفذ فيما وراه . وإذا خطر الفكر الضئيل في مثل هذه الحقيقة السامية ، فقل إنها خطرة طيف ، وإذا اجتمع للقلم سواد في تلك السماء العالية ، فقل إنما هي سحابة صيف ، ولعمر اللّه كيف نضرب بالغاية على تلك البلاغة التي لا تحدّ ، وكيف نمضي بعد أن كلّ حدّ الفكر ووقفنا عند هذا « الحدّ » ! . الحمد للّه نهاية لا تزال تبدأ ، وبدء لا ينتهي ! .

--> ( 1 ) ما برح أهل البيت رضوان اللّه عليهم يتوارثون بلاغة هي فوق بلاغة الناس ، إلى أن انقضت السلائق العربية ، وذلك فضل لا يدفعه من هذه الأمة أحد وإنما هي ذرية بعضها من بعض . وقد نص العلماء على أن سبب فصاحة الحسن البصري رحمه اللّه ( وكان من هذا الشأن على ما وصفناه في الجزء الأول من التاريخ عند الكلام على اللحن ، وكان يعد من الفصاحة وخلوص اللغة كذي الرمة ) أن سبب ذلك من إرضاع أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلم إياه ، وكانت أرضعته فكيف بمن وشجت عروقه ؛ وكان من تلك الغاية ومذهبه وطريقه ؟ . ( 2 ) يقولون فيمن أعرض عن الحق وأقبل على الباطل : جعل أنفه في قفاه وقد أكملنا العبارة فذهبنا بها كما ترى مذهبي المجاز والحقيقة ؛ وكان بذلك تمامها .