مصطفى صادق الرافعي

219

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

على أنا ننقل كتابا من هذه الكتب ؛ لنعرف الأمر على حقه ، ولنميز اللغة السهلة التي ذهبت خشونتها وانسحقت في الألسنة ، وهي لغة قريش ، من هذه اللغات الغريبة التي يجمعها صلّى اللّه عليه وسلم دون قومه ، ثم لا تجري في منطقه إلا مع أهلها خاصة ؛ ولا تندر في كلامه مع غيرهم ، أو تغلب عليه ، أو تنقص من فصاحته ، أو تضعف أسلوبه ، كما هو الشأن في أهل الغريب من هذه اللغة ، وفيمن يتباصرون به ويتكلفون لذلك حفظه وروايته ، وهم أهل التوعّر والتقعير واستهلاك المعاني ، الذين تسلمهم إلى ذلك طبيعة الغريب نفسه ، إذ يدور في ألسنتهم ويستجيب لهم كلما مثلت معانيه ، غير مختلب ولا مستكره ، ويغلبهم على مرادفه من الكلام السهل المأنوس ؛ لأنهم أكثر رغبة فيه ، وأشد عناية به في الطلب والحفظ والمدرسة ؛ ومتى نشطت طبيعة الإنسان لأمر من الأمور ، فقد لزمها توفير قسطه من المزاولة ، وتوفية حقه من العناية به تبلغ منه البلاغ كله ، وحتى يكون هو الغالب عليها ، وحتى يلزمه منها في حق الاستجابة إليها ، ما لزمها منه في حق العناية . أما الكتاب الذي أشرنا إليه فهو كتابه صلّى اللّه عليه وسلم لوائل بن حجر الكندي ، أحد أقيال حضر موت ، ومنه : « إلى الأقيال العباهلة ، والأرواع المشابيب . . . » . وفيه : وفي التّيعة شاة لا مقورة الألياط ، ولا ضناك ، وأنطوا الثبجة . وفي السّيوب الخمس ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة ، واستوفضوه عاما . ومن زنى مم ثيب فضرّجوه بالأضاميم . ولا توصيم في الدين ، ولا غمّة في فرائض اللّه تعالى ، وكل مسكر حرام وائل بن حجر يترفل على الأقيال » « 1 » . ومن هذا الباب كلامه صلّى اللّه عليه وسلم مع ذي المشعار الهمداني ، وطهفة النهدي وقطن بن

--> ( 1 ) تفسير هذا الكتاب على نسق ألفاظه : الأقيال : جمع قيل ، وهو الملك من ملوك حمير وحضر موت . والعباهلة المقرون على ملكهم فلم يزالوا عنه . والأرواع الذين يروعون بالهيبة والجمال . والمشابيب : جمع مشبوب ، وهو الجميل الزاهر اللون . والتيعة : أربعون شاة . تطلق على أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان والمقورة الألياط : أي المسترخية الجلود . والضناك : الموثقة الخلق السمينة ، يريد أن شاة الصدقة لا تكون من المهازيل ولا من الكرائم ، بل تكون وسطا وهو المراد بقوله « وأنطوا الثبجة » أي أعطوا : بلغتهم ، إذ يبدلون العين نونا ، والثبجة : الوسط ، ومنه ثبج البحر . والسيوب : جمع سيب ، وهو العطية . والمراد به الركاز . وهو دفين الجاهلية . ومم بكر ، ومم ثيب : أي من بكر ، ومن ثيب ، وهي لغتهم في إبدال النون ميما ، الصقع : الضرب ، والاستيفاض : النفي والتغريب . والأضاميم : الحجارة الصغار . والتوصيم : الفترة والتواني . ويترفل : أي يترأس ، وتروى في هذا الكتاب صورة أخرى بزيادات غريبة .