مصطفى صادق الرافعي
216
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم * فكلّ سبق لأدنى سبقهم تبع « 1 » لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ، ولا يوهون ما رقعوا أكرم بقوم رسول اللّه شيعتهم * إذا تفرّقت الأهواء والشّيع تأثيره في اللغة صلّى اللّه عليه وسلم قد علمت مما بسطناه في مواضع كثيرة « 2 » ، أن قريشا كانوا أفصح العرب ألسنة ، وأخلصهم لغة ، وأعذبهم بيانا ؛ وأنهم قد ارتفعوا عن لهجات رديئة اعترضت في مناطق العرب ، فسلمت بذلك لغتهم ، وإنما كان هؤلاء القوم أنضاد النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أعمامه وأهله وعشيرته ، ثم علمت ما قلناه آنفا في نشأته اللغوية ، وما وصفناه من أمره فيها ، وأن له في تلك رتبة بعيدة المصعد ، فلا جرم كان صلّى اللّه عليه وسلم على حد الكفاية في قدرته على الوضع ، والشقيق من الألفاظ ، وانتزاع المذاهب البيانية ، حتى اقتضب ألفاظا كثيرة لم تسمع من العرب قبله ، ولم توجد في متقدم كلامها ، وهي تعد من حسنات البيان ، لم يتفق لأحد مثلها في حسن بلاغتها ، وقوة دلالتها ، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها ، وكلها قد صار مثلا ، وأصبح ميراثا خالدا في البيان العربي ، كقوله : مات حتف أنفه « 3 » وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : ما سمعت كلمة غريبة من العرب - يريد التركيب البياني - إلا وسمعتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وسمعته يقول : « مات حتف أنفه » وما سمعتها من عربي قبله . ومثل ذلك قوله في الحرب : « الآن حمي الوطيس » ، وقوله « بعثت في نفس الساعة » إلى كثير من ذلك سنقول فيه بعد . وهذا ضرب عزيز من الكلام يحتذيه البلغاء
--> ( 1 ) من أبيات حسان بن ثابت رضي اللّه عنه . ( 2 ) انظر الجزء الأول من تاريخ آداب العرب . ( 3 ) أي على فراشه ، قال في القاموس : وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه . وقال في النهاية : كانوا يتخيلون أن روح المريض تخرج من أنفه فإن جرح خرجت من جراحته . قلنا : وكل ذلك تحتمله العبارة غير أن لها رأيا آخر وهو أن موت الرجل على فراشه من غير حرب ولا قتال ولا أمر يؤرخ به الموت في الألسنة ، مما كانوا يأنفون له ، والحتف هو الهلاك ، فكأن صاحب هذه الميتة إنما ماتت أنفته وكبرياؤه ، فلم يرفع الموت أنفه في القوم ، بل أذله وأرغمه ، فكان به هلاكه ، لأن حياته كانت في عزته ، وعزته كانت في أنفه وأنفه هو الذي كبه الموت وإنما مجاز العبارة كما يقال في الكبر : ورم أنفه ، وفي العزة حمي أنفه . وفي الدفاع عن الأم ؛ غضب لمطلب أنفه ، وكما يقال : غضبه على طرف الأنف ، إذا كان سريع الغضب ؛ وجعل أنفه في قفاه إذا ضل ، ونحو ذلك مما يكثر في كلامهم ، الذي يؤيد ما ذهبنا إليه في سياق العبارة نفسها ، فقد وردت في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من مات حتف أنفه في سبيل اللّه فهو شهيد » أي فلا غضاضة عليه مما يكره .