مصطفى صادق الرافعي
196
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
حجة ، ولم يقم له خصم ، ولا أفحمه خطيب ، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصير ، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم ، ولا يحتجّ إلا بالصدق ، ولا يطلب الفلج « 1 » إلا بالحق ، ولا يستعين بالخلابة ، ولا يستعمل المؤاربة ، ولا يهمز ولا يلمز « 2 » ، ولا يبطئ ولا يعجل ، ولا يسهب ولا يحصر ؛ ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعمّ نفعا لا أصدق لفظا ، ولا أعدل وزنا ، ولا أجمل مذهبا ، ولا أكرم مطلبا ، ولا أحسن موقعا ، ولا أسهل مخرجا ، ولا أفصح عن معناه ، ولا أبين عن فحواه - من كلامه صلّى اللّه عليه وسلم » ا ه - . ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له صلّى اللّه عليه وسلم إلا توفيقا من اللّه وتوقيفا ، إذ ابتعثه للعرب وهم قوم يقادون من ألسنتهم ، ولهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة ؛ ثم هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات وعلى اختلاف مواطنهم ، كما بسطناه في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب ، فمنهم الفصيح والأفصح ، ومنهم الجافي والمضطرب ، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه ، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بينهم ، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وصيغ مقصورة عليهم ، لا يساهمهم فيها غيرهم من العرب ، إلا من خالطهم أو دنا منهم دنوّ المأخذ . فكان صلّى اللّه عليه وسلم يعلم كلّ ذلك على حقه ؛ كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها ، وتبادره بحقائقها ؛ فيخاطب كلّ قوم بلحنهم وعلى مذهبهم ، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابا ، وأسدّهم لفظا ، وأبينهم عبارة ، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب ، ولو عرف لقد كانوا نقلوه وتحدثوا به واستفاض فيهم . ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين أو رواية عن أحياء العرب حيّا بعد حي وقبيلا بعد قبيل ، حتى يفلي لغاتهم ، ويتتبع مناطقهم ، مستفرغا في ذلك متوفّرا عليه ، وقد علمنا أنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يتهيأ له شيء مما وصفنا ، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه « 3 » علما ليس بالظن ، ويقينا لا مساغ للشبهة فيه ؛ إذ ترادفت به طرق الأخبار المتواترة ، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم ؛ فما عرف أن أحدا
--> ( 1 ) أي الفوز والظفر . ( 2 ) لا يغتاب ولا يعيب . ( 3 ) قلنا على ذلك الوجه ؛ لأن قريشا كانوا أهل تجارة ، وكانوا يضربون في الأرض ، ولهم رحلة الشتاء والصيف ، ثم كانت تتوافى إليهم قبائل العرب في الموسم وتختلط بهم في الأسواق ، وخاصة في عكاظ ، فلا بد أن يكون في ألسنتهم كثير من ألفاظ العرب ، ولكن هذا غير ما نحن فيه . فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يخاطب كل قوم بالغريب من لغتهم ، وكان أصحابه لا يفهمون أكثر ذلك ، كما ستأتي الإشارة إليه في موضعه .