مصطفى صادق الرافعي
19
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
[ مقدمة للمؤلف ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ الحمد للّه بما حمد به نفسه في كتابه ، والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه ، أما بعد فإنا قد أفردنا هذا الجزء بالكلام في إعجاز القرآن الكريم وفي البلاغة النبوية ، وقصرناه من ذلك على ما كان مرجع أمره إلى اللغة في وضعها ونسقها والغاية منها ، إلى ما يتصل بجهة من هذه الجهات . أو يكون مبدأ فيها أو سببا عنها ، أو واسطة إليها . وهذا هو في الحقيقة وجه الإعجاز الغريب الذي استبد بالروح اللغوية في أولئك العرب الفصحاء . فاشتملت به أنفسهم على خلق من العزيمة الحذاء « 1 » دائبا لا يسكن كأنه روح زلزلة . فلم تزل من بعده ترجف بهم الأرض حيث انتقلوا . ولا يخفين عليك أن ذلك في مرده كأنه باب من فلسفة اللغة ، فهو لاحق بما قدمناه من أمرها « 2 » يستوفي ما تركناه ثمة ، ويبلغ القول في محاسنها وأسرارها ، فيكون بعض ذلك تاما على بعضه ، إذ اللغة هناك مفردات واللغة هاهنا تراكيب ، وليس رجل ذو علم بالكلام العربي وصنعته ينازع أو يرتاب في أن القرآن معجزة هذه العربية في بلاغة نظمه واتساق أوضاعه وأسراره ، فمن ثم كانت مادة الاتصال في نسق التأليف بين هذا الجزء والذي قبله . على أن القوم من علمائنا - رحمهم اللّه - قد أكثروا من الكلام في إعجاز القرآن وجاءوا بقبائل من الرأي « 3 » لونوا فيها مذاهبهم ألوانا مختلفات وغير مختلفات بيد أنهم يمرون في ذلك عرضا على غير طريق « 4 » ويشتقون في الكلام هاهنا وهاهنا من كل ما تمترس به الألسنة « 5 » في اللدد والخصومة ، وما يأخذ بعضه على بعض من مذاهبهم ونحلهم « 6 » ، وليس وراء ذلك كله إلا ما تحصره هذه المقاييس من « صناعة الحق » « 7 »
--> ( 1 ) الماضية التي لا يلوي صاحبها على شيء . ( 2 ) الجزء الأول من ( تاريخ آداب العرب ) وهو مقصور على الكلام في اللغة وروايتها . ( 3 ) أصناف . ( 4 ) أي على غير جهة معينة ، والمعنى أنهم يأخذون في كل جهة ولا يوفون جهة حقها . ( 5 ) تتجادل . ( 6 ) عقائدهم . ( 7 ) كناية عن علماء الكلام ، وفنهم يقوم على الجدل والمنطق .