مصطفى صادق الرافعي
188
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
المتمحّل له ، وكشف لنا العقل عن هذا السرّ بسرّ مثله ، لا يقضي هو فيه ولا ينبغي صدق أسبابه إذ يحيلنا على ما في الطبيعة من ذلك وأشباهه ، فإن الإلهام أقدم منه في الوجود وأظهر منه أثرا ، وأوضح منه سنة ؛ وما بالعقل يبني الطائر عشه ويقطع بعض الطير إلى وطنه من أقاصي الأرض أو يجيء من غايته ، ولا بالعقل يصنع النمل ما يصنع ويأتي النحل ما يأتيه من دقائق الهندسة وغير الهندسة « 1 » ؛ إلى أمثال لذلك كثيرة ، ولا أخذت هذه الأحياء الطبيعية عن الإنسان ولكن الإنسان هو أخذ عنها واهتدى بهديها ! واتجه بعقله فيما وجهته إليه ! ولو أن في رأس النملة عقلا تدرك به ما تأتي وما تدع ، وتخرج به مما تعرف إلى ما تجهل ، وتستعمله مع حذقها الطبيعي فيما يستعمل العقل له ، إذن لما جلس في كرسي أكبر علماء الاقتصاد في هذه الأرض كلها إلا نملة من النمل . . . بيد أن الإلهام طبقة فوق العقل ، ولهذا كان فوق الإرادة أيضا ، وهو محدود في الإنسان والحيوان جميعا ؛ أما هذا ( أي الحيوان ) فلا يتصرف فيه ولكن يتصرف به ، وبذا لا يكون أبدا إلا كما هو ، ولا يعطي الإرادة المطلقة لأنها دون الإلهام . وأما ذلك ( أي الإنسان ) فلا يلقاه إلا في أحوال شاذة من أحوال النفس ، وبذا لا يكون أبدا غير من هو ، ولا يسلب الإرادة لأن الإلهام فوقها . ولو استطاع الناس يوما أن يتصرفوا بالإلهام كما يتصرفون بالعقل ، على أن يكون لهم الاثنان جميعا ، فيذهب كلاهما في مذهبه ، ويتيسرون للأداة التي تخطئ وتصيب ، والأداة التي تصيب ولا تخطئ - لتفاوت الأمر تفاوتا قبيحا ، ولما بقي في الأرض إنسان يسمى إنسانا ، ولكن اللّه تعالى يقلب أفئدتهم ، وأبصارهم ، فهذه للعقل ، وتلك للإلهام ، وكلّ يغني شأنه يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا ! . وعلى هذا الوجه الذي بسطناه من أمر الإلهام والتحديث يكون وحي السياسة المنطقية التي أومأنا إليها وهي في لغة كل أمة أبلغ البلاغة ، غير أنها في القرآن الكريم مما يعجز الطوق ، ولا تحتمله قوة النبوغ الإنساني ، فقد أحكمت في آياته إحكاما أظهرها مخلوقة خلقا إلهيا ، ولا مصنوعة صنعة إنسانية ، وجعل كل آية منها كأنها في الكلام نفس كلامية . ولا نظن بتة أن عربيا يطمع في مثل ما جاء به أو يطوّعه له الوهم ، مهما بلغ من سمو فطرته ورقة حسه ، ومن بصره بطرق الوضع التركيبي ، ونفاذه في أسرار البيان
--> ( 1 ) لهذه الحشرات فنون هندسية وسياسية واجتماعية وحربية واقتصادية الخ ، وهي وحدها تؤكد للناس أن المعجزة لا حجم لها ؛ فقد تكون في حجم الشمس ، وقد تكون في حجم الشمس ، وقد تكون في حجم النملة ، ذاهبة إلى أكثر ؛ أو راجعة إلى أقل الأقل ! .