مصطفى صادق الرافعي

183

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وتصريفها فيما تتجه إليه ، ومداورة الكلام على ذلك - إلا تأمله على هذه الوجوه ، وإطالة النظر في كل معنى من معانيه ، وفي طبيعة هذا المعنى ووجه تأديته إلى النفس ، وما عسى أن تعارضه النفس به ، أو تدافعه ، وتلتوي عليه من قبله ؛ ثم طبقات هذا المعنى بعينه ، وتقديرها على طبقات الأفهام ، واعتبارها بما هو أبلغ في نفسه وأعم في وضعه ، ثم وجه ارتباط ذلك بما قبله ، واندماجه فيما بعده ، ومساوقته لأشباهه ونظائره حيث اتفق منها في الكلام شيء . ثم تدبر الألفاظ على حروفها وحركاتها وأصالتها ولحونها ، ومناسبة بعضها لبعض في ذلك ، والتغلغل في الوجوه التي من أجلها اختير كلّ لفظ في موضعه ، أو عدل إليه عن غيره ، من حيث موافقته لمعنى الجملة ونظمها ، ومن حيث دلالته في نفسه ، وملاءمته لغيره ، ثم النظر في روابط الألفاظ والمعاني من الحروف والصيغ التي أقيمت عليها اللغة ووجه اختيار الحرف أو الصيغة ، وموضع ذلك في الغناء والإبلاغ في الدلالة من سواه ، ثم طريقة النسق والسرد في الجملة ووجه الحذف أو الإيجاز أو التكرار ونحوها ، مما هو خاصّ بهذه الطريقة حسب ما توجهه المعاني ، فإن كل ذلك في القرآن الكريم على أتمه ، وليس فيه اضطراب أو التواء ، ولا يجوز فيه عذر ولا تسويغ ، وهو منه بحيث يدعو بعضه إلى بعض ، ويريد بعضه بعضا مما ينفي عنه التصنع والتكلف والمحاولة ، ويدل على أنه كالمفرّغ جملة واحدة ، ثم هو أمر لا يجتمع البتة في كلام أحد من الناس ولا يستوسق على البلاغة الإنسانية . وما علوم البلاغة كلها إلا بعض الوسائل في التنبيه إليه ، فهي تعطي القدرة على النظر والفهم ولكنها لا تعطي بمقدار ذلك في العمل والصنعة . ومهما كان العرب من الرياضة والتمرين واعتياد النفس وإدمان الدربة وذكاء الفطر ودقة الحسّ ، فإن هذه كلها تجري مجرى تلك العلوم في نسبة القدرة على الفهم - إلى القوة على العمل . الناس كلهم علم واحد « 1 » في أن هؤلاء العرب جميعا يفهمون الشعر ، ولكنا لم نجدهم كلهم شعراء ، ورأينا الشعراء منهم متفاوتين وعرفنا التفاوت بينهم واضحا ، حتى لينفرد الواحد من الجميع في فن من أغراض الشعراء ، ثم لا يبينه منهم إلا بلاغة التراكيب ؛ ومبلغ قوته في سياستي البيان والمنطق ، وما قلناه في الشعراء فهو في صدقه على الخطباء هو بعينه ، والخطابة أمسّ بما نحن فيه وأدنى إلى القصد منه ، لا يقطعها من دونه ما عسى أن تنقطع عنده الحجة في الشعر ، وإن كان الباب واحدا . وأنت إذا اعتبرت القرآن على تلك الوجوه التي فصلناها ، رأيته أعلى من البلاغة التي وضعت لها تلك الفنون ، فإن هذه من بيان اللسان الذي لا يرتفع عن طبقة اللغة ولا

--> ( 1 ) أي هذا أمر معروف للناس جميعا .