مصطفى صادق الرافعي
180
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
علوم بلاغتها وقبل أن يعرف منها باب أو فصل من باب أو مثال من فصل كما وقع في العربية ، أو بعد أن وضعت ، ولا سواء في المنزلة والإعجاز أن يكون الكتاب كذلك . فصل البلاغة في القرآن وبعد فلا سبيل من كتابنا هذا إلى بسط الكلام وتقسيمه فيما تضمّنه القرآن من أنواع البلاغة التي نصب لها العلماء أسماءها المعروفة : كالاستعارة والمجاز وغيرهما ،
--> الكريم ، قال « ولم أجد أحدا ممن تقدمني تعرض لذكر شيء منها ، وهي إذا عدت كانت في هذا العلم بمقدار شطره . وإذا نظر إلى فوائدها وجدت محتوية عليه بأسره » . وقد كان ضياء الدين هذا يختم القرآن مرة في كل أسبوع ليبلغ به ، ثم نظر فيه فجعل يقرؤه المرة في شهر . ثم أبعد في النظر فكان يختمه في سنة ، ثم أمعن فقال إنه قطع سبع سنين ولما يفرغ منه ولا أتى على الغاية من تدبر ما فيه من البلاغة المستكنة في كلمه وحروفه . فإذا قدرنا عدد كلمات القرآن ، وهي سبع وسبعون ألفا ونيف ، على أيام هذه السنين ، على أن يكون الرجل قد أشرف على ختم القرآن ، وضربنا بالحصص على تلك الأيام ، خرج لكل يوم نيف وثلاثون كلمة ، أي مقدار ثلاثة أسطر ، يتأملها هذا الإمام المفكر البليغ ويتدبر أسرار بلاغتها ، مع أنه لا يبحث منها إلا في الصناعة البيانية وحدها ، دون أسرار التركيب الأخرى من علمية واجتماعية الخ الخ . وروي أن ابن عطاء الصوفي أحمد بن محمد سهل المتوفى سنة 309 ه - قرأ القرآن يستنبط المعاني المودعة فيه ويستروح إليها ، فبقي في ختمة واحدة بضع عشرة سنة ، ومات ولم يتمها . وهو من جلة مشايخ الصوفية ، لم ير فيهم أفهم منه . وقد سئل عن التصوف ما هو ؟ فقال : اتفقت أنا والجنيد على أن التصوف نزاهة طبع كامنة في الإنسان ، وحسن خلق تشتمل على ظاهره . وهذا أبدع ما رأيناه في المعنى . وهذا ( يعني ضرورة التأني وإبعاد النظر ) هو سر الخيبة التي يبوء بها من يطلب وجوه الإعجاز البياني إذا التمسها في ( الكشاف ) للإمام الزمخشري المتوفى سنة 528 مع كثرة ما عرض - رحمه اللّه - من الدعوى خطبة كتابه ، لأنه فرغ من هذا الكتاب كما قال في « مقدار مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، سنتان وثلاثة أشهر وعشرون يوما على أوسع التقدير ، قال : وكان يقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة ، فانظر مبلغ عمل الرجل من مبلغ أهله ، على أن له في كتابه حسنات رحمه اللّه وأحسن إليه . وقد رأينا في ( كشف الظنون ) أن شرف الدين الحسن بن محمد الطيبي المتوفى سنة 743 ه - وضع شرحا على الكشاف في ست مجلدات ضخمة ، وأكثر فيها من إيراد النكت البيانية ، وكانت أكثر ما جاء به . وهذا الشرح قد أومأ إليه ابن خلدون في موضع من مقدمته ، وقال إنه شرح فيه كتاب الزمخشري وتتّبع ألفاظه وتعرّض لمذاهبه في الاعتزال بأدلة تزيفها « وبيّن أن البلاغة إنما تقع في الآية على ما يراه أهل السنّة لا على ما يراه المعتزلة فأحسن في ذلك ما شاء ، مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة » ا ه - . فتأمل كيف تتصرف بلاغة القرآن مع أهل السنّة والمعتزلة مجاذبة ودفعا فإنه معنى عجيب .